روبرتاج

الأجواء الرمضانية في تيسمسيلت

حركية اجتماعية وتجارية ونكهة تقليدية تزين مائدة الإفطار

 مع حلول شهر رمضان المبارك من كل سنة، ترتدي ولاية تيسمسيلت حلة خاصة تميزها عن باقي أشهر السنة، حيث تتغير ملامح الحياة اليومية وتنبض شوارعها وأسواقها بحركية لافتة تعكس خصوصية هذا الشهر الفضيل. وعلى غرار باقي ولايات الوطن، تحافظ تيسمسيلت على عاداتها وتقاليدها الراسخة، غير أن للأجواء الرمضانية هنا طابعا مميزا يجمع بين الأصالة والتجدد، وبين المحافظة على الموروث والانفتاح على تنوع الأطباق والعادات الغذائية.

فمنذ الساعات الأولى للصباح، تنطلق التحضيرات داخل البيوت والأسواق على حد سواء، استعدادا لمائدة إفطار عامرة بأطباق تقليدية متوارثة عبر الأجيال، تتصدرها “الحريرة” و”الشربة” و”الزيتون”، إلى جانب أطباق أخرى لا تخلو منها أي مائدة رمضانية تيسمسيلتية.

 

الحريرة.. الطبق الأول بلا منازع

 

تعد “الحريرة” الطبق الرئيسي الذي لا يمكن أن تغيب عن مائدة الإفطار في ولاية تيسمسيلت، وتتميز هذه الشوربة التقليدية، بنكهتها الخاصة التي تتفنن ربات البيوت في إعدادها، حيث يتم مزج العديد من التوابل المطحونة بعناية، وإضافة مكونات طبيعية تمنحها مذاقا فريدا، ويبرز في تحضيرها استعمال المعدنوس والكرافس، الذين يضفيان على الطبق نكهة مميزة ورائحة زكية. فضلا عن إضافة توابل متنوعة وعقاقير طبيعية، تعزز من قيمة الطبق الغذائية. ولا يقتصر تناول الحريرة على وجبة الإفطار فقط، بل تمتد إلى وجبة السحور لدى بعض العائلات، نظرا لما تمنحه من إحساس بالشبع والطاقة.

 

الشربة.. حضور دائم على المائدة

 

إلى جانب الحريرة، تحجز “الشربة” مكانتها كطبق أساسي ثانٍ في ترتيب المائدة، وتختلف طرق إعدادها من بيت إلى آخر، غير أن القاسم المشترك بينها هو بساطة المكونات وجودة التحضير، مما يجعلها محببة لدى جميع أفراد الأسرة.

ومن بين الأطباق التي تزين مائدة الإفطار كذلك “المعقودة”، وهي طبق شهي يقدم عادة مصحوبا بالقصبر والمعدنوس، وتحظى المعقودة بإقبال واسع لدى العائلات التيسمسيلتية خاصة الأطفال، لما تتميز به من مذاق لذيذ وقوام هش.

أما طبق الزيتون باللحم، فيعتبر من الأطباق التي تجمع بين الحلاوة والملوحة في آن واحد، ويقدم غالبا إلى جانب الأطباق الرئيسية الأخرى، ويعكس هذا الطبق ارتباط المنطقة بالمطبخ الجزائري التقليدي الذي يزاوج بين البساطة والغنى في النكهات.

 

“الحلو” بالبرقوق أو الزبيب.. لمسة ختامية راقية

 

ولا تكتمل مائدة الإفطار دون طبق “الحلو”، الذي يعد إما بالبرقوق أو الزبيب، ويقدم كطبق مكمل يمنح الصائم إحساسا بالراحة بعد يوم طويل من الصيام. وغالبا ما توضع هذه الأطباق في صحون مصنوعة من الفخار أو الطين، في مشهد يعكس تمسك العائلات بالتقاليد والأواني التراثية.

 

الحلويات الشرقية.. نكهة ما بعد الإفطار

 

بعد الانتهاء من تناول الأطباق الرئيسية، تأخذ العائلات قسطا من الراحة لمدة لا تقل عن ساعة، قبل أن تعود لتجتمع حول مائدة الشاي أو القهوة، مرفوقة بتشكيلة من الحلويات الشرقية، وتتنوع هذه الحلويات بين البقلاوة، الزلابية، الشامية، السيڤار، قلب اللوز وغيرها من الأصناف التي تحضر في البيوت، أو تقتنى من المحلات المتخصصة. وتعد هذه الحلويات مكملة للوجبة الرمضانية، لما تحتويه من عناصر غذائية تمد الجسم بالطاقة.

 

محلات الحلويات.. طوابير وإقبال كثيف

 

تشهد المحلات التجارية المعروفة وسط مدينة تيسمسيلت إقبالا كبيرا من المواطنين خلال شهر رمضان، حيث تتشكل طوابير طويلة أمام محلات بيع الحلويات الشرقية التي تشتهر بجودة منتجاتها وتنوعها، ويفضل كثير من المواطنين اقتناء “قلب اللوز”، “السيڤار” و”الشامية” من هذه المحلات، لما تتميز به من إتقان في التحضير وحسن العرض، ويعكس هذا الإقبال الحركية التجارية النشطة التي تعرفها المدينة خلال الشهر الفضيل.

 

المخابز.. نشاط متزايد وأنواع متعددة من الخبز

 

تعرف المخابز في ولاية تيسمسيلت حركة غير مسبوقة خلال رمضان، حيث يقبل المواطنون على شراء مختلف أنواع الخبز، من بينها الخبز العادي، خبز الشعير، المطلوع والخبز السوري.

ويحظى “المطلوع” بشعبية خاصة، إذ يعرضه بعض الباعة أمام أرصفة الطرقات، لما يتميز به من نكهة مميزة ومذاق خاص يفضله الكثيرون، وتتراوح أسعاره ما بين 30 إلى 40 دينارا للخبزة الواحدة، وهي أسعار تبقى في متناول أغلب العائلات. وتشكل الطوابير أمام المخابز مشهدا يوميا خلال الشهر الكريم، خاصة في الفترات التي تسبق موعد الإفطار، حيث يسعى المواطنون إلى اقتناء الخبز طازجا ليزين موائدهم.

 

الأسواق المحلية.. حركية تجارية مكثفة

 

تختلف الحركة التجارية في رمضان عما كانت عليه في السابق، إذ تعرف الأسواق المحلية عبر تراب الولاية نشاطا واسعا ومكثفا. ففي عاصمة الولاية، يبدأ الإقبال على المحلات التجارية منذ الساعة العاشرة صباحا، ليستمر إلى غاية الخامسة مساء، ويكثر الطلب خلال هذه الفترة على التمر، الحليب والخبز، إضافة إلى مختلف المواد الغذائية التي تحتاجها العائلات لتحضير وجبات الإفطار.

 

حي السبع “السبالة”.. وجهة المتسوقين

 

كانت وجهتنا إلى حي السبع المعروف باسم “السبالة”، الواقع بأعالي الدرب العتيق بعاصمة الولاية، حيث تتجلى مظاهر النشاط التجاري في أبهى صورها، فهناك تصطف محلات بيع الخضر والفواكه، التوابل، ومختلف أنواع اللحوم، في مشهد يعكس تنوع المعروضات. وقد لوحظ إقبال عدد كبير من المتسوقين القادمين من مختلف بلديات الولاية، ما يؤكد المكانة التجارية التي يحظى بها هذا الحي خلال شهر رمضان.

 

رمضان في تيسمسيلت.. عادات راسخة وأجواء متجددة

 

رغم تغير الزمن وتطور أنماط الحياة، تبقى العادات والتقاليد الرمضانية في تيسمسيلت راسخة ومتوارثة عبر الأجيال، فالأطباق ذاتها تحضر كل سنة، والأجواء ذاتها تتكرر مع حلول الشهر الفضيل، غير أن روح رمضان تضفي عليها في كل مرة نكهة خاصة، وتجتمع العائلات حول مائدة واحدة، في أجواء يسودها التآلف والتراحم، حيث تتحول البيوت إلى فضاءات للدفء الأسري، وتغدو الأسواق ساحات للتلاقي والتفاعل الاجتماعي.

وتعيش ولاية تيسمسيلت خلال شهر رمضان المبارك على وقع حركية اجتماعية وتجارية مميزة، تتجلى في تنوع الأطباق التقليدية التي تزين موائد الإفطار، وفي الإقبال الواسع على الأسواق والمخابز ومحلات الحلويات، فالحريرة، الشربة، المعقودة، الزيتون باللحم، والحلو بالبرقوق أو الزبيب، كلها أطباق تعكس أصالة المطبخ المحلي، فيما تضفي الحلويات الشرقية لمسة حلاوة على السهرات الرمضانية، وبين أزقة “السبالة” وطوابير المخابز، تتجدد ملامح رمضان كل عام، لتبقى تيسمسيلت وفية لتقاليدها، نابضة بالحياة، ومفعمة بروح الشهر الفضيل.

جطي عبد القادر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى