
الكسكسي، أكثر من مجرد طبق في قلب الجزائر النابض، وتحديدا ولاية تيسمسيلت الساحرة، التي تتلألأ كجوهرة في سلسلة جبال الونشريس الشاهقة، لا يزال طبق الكسكسي يحافظ على مكانته الرفيعة كرمز ثقافي واجتماعي لا يضاهيه طبق آخر، إنه ليس مجرد وجبة تقدم على المائدة في المناسبات الخاصة والعامة، بل هو فلسفة حياة متكاملة، وجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي المتين الذي يربط الأفراد والعائلات ببعضها البعض، ويعزز من أواصر المحبة والتكافل.
الكسكسي في تيسمسيلت، هو شاهد حي على تاريخ طويل من التقاليد والعادات الأصيلة التي تتوارثها الأجيال أبا عن جد، من جيل إلى جيل، محافظين على كل تفصيلة صغيرة وكبيرة في إعداده وتقديمه، وكأنهم يحرسون كنزا لا بقدر بثمن، إنه حكاية تروى في كل بيت، وقصة تحكى في كل مناسبة، تعكس عمق الارتباط الروحي بين الإنسان وأرضه، وبين الحاضر الذي يعيشه والماضي العريق الذي يفتخر به، وتجسد الهوية الثقافية للمنطقة بكل أبعادها.
هذا الطبق، الذي يفوح منه عبق التاريخ، يمثل نقطة التقاء الأجيال، حيث يجتمع الكبار والصغار ليتشاركوا ليس فقط الطعام، بل أيضا القصص والذكريات، مما يعزز من الروابط الأسرية ويقوي من الانتماء للمنطقة، تتجسد في هذا الطبق الشعبي، الذي يتجاوز كونه مجرد طعام يستهلك، قيم الأصالة والكرم والضيافة التي تميز المجتمع الجزائري بأسره، وتحديدا سكان تيسمسيلت المعروفين بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة. إنه يمثل نقطة التقاء الأسر والأحباب، ومحورا تدور حوله الأفراح والأتراح، من لحظات الفرح العارم في الأعراس البهيجة والمناسبات السعيدة التي تملأ القلوب بهجة، إلى لحظات المواساة والتضامن في الأوقات العصيبة التي تتطلب التآزر والتكاتف.
الكسكسي، هو لغة صامتة تعبر عن المشاعر، وتقرب القلوب، وتعزز من التلاحم الاجتماعي، من خلال هذا الربورتاج الصحفي المعمق، سنتعمق في عالم الكسكسي التيسمسيلتي الغني والمتنوع، لنكشف عن أسراره العتيقة التي توارثتها الأجيال، ونستعرض مكانته المتجذرة في حياة الناس اليومية والاحتفالية، ونسلط الضوء على الجهود المضنية والمستمرة التي تبذلها العائلات والمجتمع المحلي للحفاظ على هذا التراث الغذائي والثقافي الثمين من الاندثار، وضمان استمراريته كجزء لا يتجزأ من الهوية التيسمسيلتية والجزائرية، بل والإنسانية جمعاء، سنستكشف كيف أن هذا الطبق، الذي يبدو بسيطا في ظاهره، يحمل في طياته تاريخا عريقا، وثقافة غنية، واقتصادا محليا مزدهرا، مما يجعله أيقونة حقيقية لولاية تيسمسيلت.
تيسمسيلت… أرض الكسكسي الأصيل
تتميز ولاية تيسمسيلت، هذه الجوهرة المخفية في قلب الجزائر، والواقعة على سفوح جبال الونشريس الشاهقة، بتنوعها الثقافي وغنى تراثها الشعبي الذي يمتد لقرون. وفي هذا السياق الغني، يحتل طبق الكسكسي مكانة خاصة واستثنائية، فهو ليس مجرد طبق عادي بل هو أيقونة غذائية تتفرد بها الولاية بعدد لا يحصى من أصنافه المتنوعة، كل صنف منها يعكس بصدق عادات وتقاليد المنطقة التي ينتمي إليهاكل نوع من الكسكسي التيسمسيلتي يحمل في طياته قصة عريقة، ويحكي عن طريقة حياة متوارثة، ويجسد ببراعة مهارة الأيادي التي أعدته، تلك الأيادي التي أتقنت فن تحضير هذا الطبق عبر الأجيال.
نجد مثلاً “الكسكسي بالخضار”، الذي يعد الطبق الأكثر شيوعا، و”الكسكسي بالمرقة البيضاء” الذي يقدم في المناسبات الخاصة، و”الكسكسي الحلو” الذي يعرف بـ “المسفوف” ويزين بالزبيب والسكر، وغيرها الكثير من الأصناف التي تظهر مدى الإبداع والتنوع في تحضير هذا الطبق، إن ارتباط الكسكسي بمدينة تيسمسيلت ليس وليد الصدفة أو مجرد عادة عابرة، بل هو نتاج تفاعل طويل الأمد وعميق بين الإنسان وبيئته الطبيعية السخية.
إن المنطقة بخصوبة أراضيها الزراعية ووفرة منتجاتها الطبيعية، توفر بسخاء جميع المكونات الأساسية والضرورية لتحضير هذا الطبق العريق بأبهى صوره، من حقول القمح الصلب الذهبية التي تطحن بعناية فائقة ليصبح سميدا ناعما أو خشنا، حسب نوع الكسكسي المراد تحضيره، إلى الخضروات الطازجة الموسمية التي تقطف من البساتين، واللحوم الطازجة التي تُربى في المراعي الطبيعية. كلها عناصر طبيعية ونقية، تجتمع بتناغم لتشكل تحفة فنية على المائدة، ليست فقط شهية المذاق بل غنية بالقيم الغذائية والتراثية.
هذا التناغم بين المكونات الطبيعية والمهارة البشرية، هو ما يمنح الكسكسي التيسمسيلتي نكهته الفريدة ومكانته الخاصة في قلوب سكانه وزواره، كما أن المناخ المعتدل للولاية ساهم في توفير بيئة مثالية لزراعة أجود أنواع القمح، الذي يعد المكون الأساسي للكسكسي، مما يضمن جودة المنتج النهائي ويعزز من قيمته الغذائية.

الكسكسي في المواسم والاحتفالات.. رفيق الأفراح والأقراح
لا يمكن لأي زائر أو مقيم في تيسمسيلت أن يتجاهل الحضور الطاغي والمحوري لطبق الكسكسي، في جميع المناسبات الاجتماعية، فهو ليس مجرد طبق يقدم، بل هو رفيق درب في الأفراح والأتراح، شاهد على تاريخ العائلات وتلاحمها، ومرآة تعكس قيم المجتمع الأصيلة. إنه الطبق السحري الذي يجمع العائلة الكبيرة والصغيرة حول مائدة واحدة، يشاركهم لحظاتهم السعيدة التي لا تنسى، ولحظاتهم الحزينة التي تتطلب المواساة والتضامن في الأعراس، يكون الكسكسي سيد المائدة بلا منازع، يقدم للضيوف الكرام كرمز أصيل للكرم والضيافة الجزائرية الأصيلة، مزينا بأشهى الخضروات واللحوم، ومعطرا بأريج البهارات التقليدية التي تفتح الشهية وتدخل البهجة إلى القلوب.
تتفنن ربات البيوت في إعداد أنواع مختلفة من الكسكسي في هذه المناسبات، فنجد الكسكسي بالدجاج والخضار، والكسكسي باللحم واللفت، وحتى الكسكسي الحلو الذي يقدم كتحلية، كل طبق عد بحب وشغف، ويقدم بفخر واعتزاز، ليعكس مكانة العائلة وكرمها.
وفي الأعياد الدينية، سواء كان عيد الفطر المبارك الذي يأتي بعد شهر الصيام، أو عيد الأضحى المبارك الذي يعرف بذبح الأضاحي، لا تخلو أي مائدة تيسمسيلتية من هذا الطبق المبارك، الذي يعد بلمسة خاصة تعكس قدسية المناسبة، ويقدم للأهل والأقارب والجيران، في جو من الألفة والمحبة، وليس الأمر مقتصرا على الأفراح فقط، فحتى في الأتراح، وفي لحظات الحزن التي تخيم على البيوت، يكون الكسكسي حاضرا بقوة، حيث يعد ويقدم للعائلة والجيران والأصدقاء، كنوع من المواساة الصادقة والتضامن العميق.
ففي الأوقات العصيبة، يتسابق الجيران والأقارب لإعداد الكسكسي وإحضاره إلى بيت الفقيد، للتخفيف عن أهله ومساعدتهم في هذه المحنة، إنه يعكس بجلاء روح التكافل الاجتماعي الأصيلة التي تميز المجتمع التيسمسيلتي، حيث يتسابق الجميع لتقديم العون والمساعدة، ويظهرون أسمى معاني الإنسانية. هذا الحضور المستمر للكسكسي في جميع مناحي الحياة، يؤكد على أن الطعام ليس مجرد وسيلة لسد الجوع أو البقاء على قيد الحياة، بل هو أداة قوية للتواصل الإنساني، ووسيلة راقية للتعبير عن أعمق المشاعر، سواء كانت فرحا أو حزنا، محبة أو تضامنا. إنه ينسج خيوطا غير مرئية تربط بين أفراد المجتمع، ويجعل منهم جسدا واحدا في السراء والضراء، ويعزز من قيم التآزر والتعاون التي تعد أساس بناء المجتمعات القوية والمتماسكة.
الكسكسي في تيسمسيلت، هو بمثابة مرآة تعكس الحياة بكل تفاصيلها، من الولادة إلى الوفاة، ومن الفرح إلى الحزن، ومن الاحتفال إلى المواساة.
يوم الجمعة.. قدسية الكسكسي
يوم الجمعة، هذا اليوم المبارك في الإسلام، يحمل في طياته قدسية خاصة وطقوسا فريدة في ولاية تيسمسيلت، ولا يمكن فصل هذه الطقوس عن طبق الكسكسي الذي يعد جزء لا يتجزأ من هويتها الثقافية والاجتماعية.
ففي هذا اليوم الفضيل، وبعد أداء صلاة الجمعة، التي تجمع الرجال في المساجد، وتعزز من الروابط الروحية، تجتمع العائلات الكبيرة والصغيرة، من الأجداد والجدات إلى الأحفاد، حول مائدة واحدة، لتناول وجبة الكسكسي التي تعد بعناية فائقة وتقدم بحب وتقدير لا متناهي، إنه تقليد متوارث عبر الأجيال، ليس مجرد عادة، بل هو ركيزة أساسية تعزز الروابط الأسرية وتقوي أواصر المحبة والتآلف بين أفراد العائلة.
حيث يضفي على هذا اليوم نكهة خاصة لا تنسى، تجعله يوما مميزا ينتظره الجميع بفارغ الصبر والشوق، لما يحمله من دفء عائلي وذكريات جميلة، تبدأ الاستعدادات لهذا اليوم المبارك قبلها بيوم، أي يوم الخميس، حيث تعد ربات البيوت الكسكسي بكل شغف وإتقان، وكأنهن ينسجن لوحة فنية من المذاقات، تبدأ العملية بـ “فتل” السميد، وهي عملية يدوية دقيقة تتطلب خبرة وصبرا.
حيث يتحول السميد الخشن إلى حبيبات كسكسي متجانسة ومثالية، كل حبة منها تحمل بصمة اليد التي أعدتها، بعد ذلك، تجهز جميع مكونات المرق والخضروات الطازجة التي ستستخدم في إعداد الطبق، وتقطع اللحوم بعناية فائقة، وتُتبل بالبهارات التي تضفي عليها نكهة خاصة.
وفي صباح يوم الجمعة، تطهى الوجبة على نار هادئة، في قدر خاص يعرف بـ “الكسكاس”، لتفوح رائحتها الزكية في أرجاء البيت، وتعلن عن قدوم لحظة اجتماع العائلة حول مائدة الكسكسي العامرة. هذه الرائحة العطرة، ليست مجرد رائحة طعام، بل هي رائحة التراث والأصالة، رائحة الدفء العائلي والمحبة التي تجمع القلوب، وتعيد إلى الأذهان ذكريات الطفولة الجميلة، إنه مشهد يتكرر كل أسبوع، ويحمل في طياته الكثير من المعاني والقيم التي تغرس في نفوس الأجيال الصاعدة، وتعلمهم أهمية الترابط الأسري والمحافظة على التقاليد، الكسكسي يوم الجمعة في تيسمسيلت، هو احتفال بالحياة، بالعائلة وبالتراث.
مستقبل الكسكسي في تيسمسيلت.. بين الأصالة والتجديد
إن مستقبل الكسكسي في تيسمسيلت يبدو واعدا ومشرقا، فهو يجمع ببراعة بين الأصالة المتجذرة في التاريخ والتجديد الذي يواكب روح العصر.
فمن جهة، هناك رغبة قوية وعزيمة لا تلين في الحفاظ على الطرق التقليدية الأصيلة لإعداده، وتوريثها للأجيال القادمة بكل دقة وأمانة، لضمان استمرارية هذا الإرث الثقافي، هذه الرغبة تتجلى في حرص العائلات على تعليم أبنائها وبناتها فنون فتل الكسكسي وتحضيره، وفي تنظيم الفعاليات التي تحتفي بهذا الطبق العريق، ومن جهة أخرى، هناك انفتاح واعٍ ومدروس على التجديد والابتكار.
حيث يتم تطوير وصفات جديدة للكسكسي، وإدخال مكونات عصرية عليه، دون المساس بجوهره الأصيل أو تغيير هويته الأساسية. هذا التجديد، يمكن أن يشمل تقديم الكسكسي بنكهات مختلفة، أو باستخدام مكونات عضوية وصحية، أو حتى في أشكال تقديم مبتكرة تتناسب مع الذوق الحديث.
هذا التوازن بين الأصالة والتجديد، هو ما يضمن للكسكسي البقاء حيا ومتجددا، قادرا على المنافسة في عالم الطهي المتغير، يمكن للكسكسي أن يصبح جسرا حقيقيا يربط بين الماضي العريق والحاضر المتسارع، وبين التقاليد الراسخة والحداثة المتطورة، يمكن أن يكون مصدرا للإلهام للطهاة الشباب والمبدعين، الذين يمكنهم إعادة اكتشاف هذا الطبق العريق وتقديمه بأساليب مبتكرة، مع الحفاظ على روحه الأصيلة ونكهته المميزة.
هذا التجديد، لا يعني التخلي عن الماضي، بل هو بناء على أساسه المتين، وإضافة لمسات عصرية تجعله أكثر جاذبية للأجيال الجديدة، وتفتح له آفاقا عالمية. إن الكسكسي بهذا المعنى، ليس مجرد طبق، بل هو قصة نجاح ثقافية واقتصادية، قادرة على التطور والازدهار مع مرور الزمن، مع الحفاظ على مكانته كرمز للهوية التيسمسيلتية والجزائرية.
جطي عبد القادر



