لك سيدتي

“صفية شقاق”، الطبيبة التي تسعى إلى توظيف “المسرح” في العلاج

تعتبر الهواتف الذكية... العدو الأول للأطفال 

تسخّر المسرحية “صفية شقاق”، جل وقتها في السعي وراء ما يشبع شغفها، ويعزز معلوماتها حول مختلف العناصر والأساليب، التي يمكنها أن تكون عنصرا مساعدا في توفير ما يسمح بالمساهمة في العلاج لمختلف الأشخاص، لاسيما الأطفال، عبر توظيف رؤيتها وأفكارها على خشبة المسرح، عن طريق التمثيل، التأليف والإخراج…

ولأن “صفية شقاق” طبيبة وتمارس مهنتها بحب وشغف، فإنها ترى في ذوي الاحتياجات الخاصة أو ذوي الهمم، خاصة الأطفال، أشخاصا عاديين لا يمكن أن نفرق بينهم في المعاملة، لأنهم استطاعوا على مر الزمان، إثبات وجودهم وحققوا إنجازات لم يحققها الأشخاص الطبيعيين.

وتدافع “صفية” عن فكرتها بالعمل الميداني، من خلال تفاعلها المباشر مع الأطفال من مختلف الوضعيات الصحية (أصحاء، طبيعيين، فاقدي السمع، مختلي الحركة، متأخرين ذهنيا، مصابين بطيف التوحد وفاقدي البصر…)، وتجسيد أفكارها على خشبة المسرح، التي تؤكد لها في كل مرة أن “طريقة التعامل” مع الطفل من ذوي الهمم، هي التي تحدد مردوده على نفسه وعلى محيطه ومجتمعه.

 

ذوو الاحتياجات الخاصة بحاجة إلى المعاملة “العادية” للاندماج في المجتمع

 

ترى المسرحية والطبيبة “صفية شقاق”، أن التعامل مع الطفل يجب أن تكون معتدلة وعادية، حتى يكبر بطريقة صحية وشخصية متوازنة.

موضحة في حديثها ليومية “البديل”، التي التقتها على هامش فعاليات “الأسبوع الوطني لفنون ذوي الهمم”، الذي يحتضنه المسرح الجهوي لوهران “عبد القادر علولة”، تحت شعار “الإبداع والإرادة”، خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 16 جويلية الجاري، أن الأطفال مهما كانت إصابتهم المرضية ووضعيتهم الاجتماعية والتعليمية، فهم يحتاجون إلى فضاء خاص يسمح لهم بالاحتكاك ببعضهم، والتعبير عما يختلج صدورهم وتجسيد ما يرونه يمثلهم أو يحكي ما يفكرون فيه، من أجل ضمان توازنهم النفسي واندماجهم بصفة عادية في المجتمع، والتفاعل مع أفراده.

وتضيف الدكتورة “شقاق”، أن التعامل مع الطفل في الأسرة ومحيطه والمجتمع، له تأثير كبير على مستقبله وتكوينه الشخصي خاصة، وهو ما يستدعي ويفرض على المحيط عموما التعامل مع الطفل، خاصة ذلك الذي يعاني من إعاقة مهما كان نوعها، على أنه لا يحتاج إلى عناية خاصة طوال

الوقت، وإنما العلاج العادي يجب أن يتوفر في حين المعاملة يستلزم أن تكون “طبيعية جدا”، حتى لا يشعر الطفل المريض بالتمييز، وإنما يتقبل مرضه أو إعاقته بطريقة عادية، ويسمح له بالانخراط في النشاطات المختلفة، ليستطيع التعبير عن أفكاره وإبراز قدراته، دون أن يشعر بالنقص أو التهميش أو العزلة.

وتعزز الدكتورة “شقاق” كلامها، بالتأكيد على أن الكثير من الأطفال الذين ينتمون إلى فئة ذوي الهمم، حققوا إبداعات ونجاحات وتفوقوا في مختلف المجالات، وخير مثال، نجاح التلاميذ من هذه الفئة في اجتياز مختلف محطات التعليم، في حين فشل من ينتمون إلى فئة الأشخاص الطبيعيين، بينما تبقى الفئة التي تحتاج إلى اهتمام خاص هي فئة “فاقدي البصر أو المكفوفين”، الذين يحتاجون إلى مساعدة من أجل التعرف على الأشياء.

 

المسرح “فضاء علاجي” لكل الفئات

 

وتروي الدكتورة “صفية شقاق”، ليومية “البديل”، تجربتها في التعامل مع ذوي الهمم، أن وجودها على خشبة المسرح، وتعاونها مع هذه الفئة من الأطفال، تكشف في كل مرة أن المسرح يمكنه أن يكون فضاء علاجيا مثاليا، ليس فقط لهؤلاء وإنما لجميع الأشخاص على اختلاف أعمارهم أيضا، لأنه يحاكي تجاربهم اليومية ويلامس تخمينهم، ويذكرهم بما يمرون به ويعايشونه، وبالتالي يضحكون عليه ويعيدون النظر إليه من زاوية مغايرة لتلك التي ألفوها أو التي عايشوها، وإنما من زاوية فنية، تستدعيهم إلى معالجته أو التفاعل معه من بعيد دون أن يكونوا ملزمين بذلك.

وفي هذا السياق، تحكي الدكتورة “شقاق”، أن أطفال ذوي الهمم، تمكنوا من إثبات وجودهم وقدرتهم على التفاعل على خشبة المسرح، وقد كانت لها تجارب تروى في الموضوع، بعدما نجحت الموسم الماضي مع فئة “طيف التوحد” أو “التريزوميا”، الذين تمكنوا من تجسيد لوحة فنية، كشفت قدرتهم على الأداء المسرحي، وكانت تجربة ناجحة ورائعة، غيرت نظرة الجمهور الذي تابع المسرحية آنذاك لهذه الفئة من البراءة، كما سمحت بخلق نوع من القرار في دواخل الحضور لتغيير التعامل مع هؤلاء الأطفال.

ورجعت هذا الموسم، لتعيد التجربة مع فئة أخرى، هذه المرة مع “المعاقين سمعيا”، الذين قامت بمرافقتهم خلال مرحلة التأليف وتجسيد مسرحية، لتكشف من خلالها عن تحكمهم في تعاملهم مع محيطهم وتمكنهم في إيصال أفكارهم وتفاعلهم بكل أريحية، بعدما اعتمدت على الكتابة في توزيع الأدوار عليهم ومناقشتهم حول موضوع المسرحية، مضيفة أن التحضير لها استغرق 3 أسابيع.

وتوضح الدكتور “شقاق صفية” لـ”البديل”، أن العمل المسرحي له دور فاعل في تغيير نفسية الشخص وتحسين مزاجه، عبر منحه تلك الفرصة للغوص في موضوع أو قصة تجعله يندمج معها ليخلق حلولا أو يتخيل سبلا أو يعيش الدور، حسب فصول المسرحية وأداء ممثليها، إضافة إلى التفاعل مع الممثلين أو المؤدين فوق الخشبة، وهي الطريقة التي تساهم بشكل مباشر في التأثير على نفسية الجمهور، وتمنحه فرصة تغيير المزاج بطريقة غير موجهة ولا مقصودة، ليجد نفسه قد تخلص من تراكمات أو مشاكل وهموم يومية.

 

الهواتف الذكية والتكنولوجيا الرقمية… العدو رقم 1 للأطفال

 

في الوقت الذي أصبح الإقبال على التجهيزات الذكية، لاسيما الهواتف ووسائل التواصل الرقمية مكثفا، يصر أطباء ومختصون، على ضرورة التعامل مع هذه التجهيزات والتخصص بحذر لأن سلبياتها على الفرد أكثر من إيجابياتها، خاصة أنها تتحول إلى إدمان يصعب الإقلاع عنه، ومصادرتها لحريته، بالاستحواذ على كل وقته وجعله رهينة لها، لاسيما الأطفال، وهو ما أثبتت البحوث العلمية عن صحته، بالانتشار الواسع لطيف التوحد الذي يغزو نسبة كبيرة من الأطفال، وخلق العزلة الأسرية، باستقلال كل فرد في زاوية أو غرفة من البيت والانشغال بهاتفه عوض التجمع العائلي والحوار الأسري.

وهنا، تؤكد الدكتورة “صفية شقاق”، موقفها الرافض لمنح هذه الوسائل الذكية للأطفال أقل من 7 سنوات، لأنها تعتبر المدمر الأول لهم، بغض النظر عما يتابعونه عبرها. معلنة ليومية “البديل”، أن شاشة التلفزيون هي الأخرى مدمرة للأطفال الصغار، لأنها تسيطر على حواسهم وتشد انتباههم وتركيزهم، وبالتالي تقوم بـ”شبه تثبيط” لإبداعهم وتفاعلهم، من خلال تركيزهم على الاستقبال فقط دون ردة فعل مع ما يتلقونه عبرها، خاصة وأن القائمين على هذه التجهيزات، يركزون على ما يشد البصر ويبهر النظر كالألوان، الموسيقى… لخلق مسار سهل الفعالية على المستقبل.

وتؤكد أن العائلة لاسيما الأم، تبحث في غالب الأوقات عن راحتها، وما يشغل طفلها عن إزعاجها، فتجد في الهاتف الذكي أو اللوحة الالكترونية أو شاشة التلفزيون الحل الأمثل، لأنه يمضي ساعات وساعات دون أن يمل أو يغير تركيزه، حتى وإن كان جائعا، فإنه لا يفلت لحظة من الشاشة، وهذا ما يجعل الطفل خاصة الأقل من 7 سنوات، يكبرون وهم بعيدين عن بقية الناس حتى أفراد عائلاتهم، لأنهم يجدون ما يشغلهم ويلهيهم بكبسة زر، مما يحولهم إلى أطفال متشبعين بما كانوا يشاهدونها عبر الشاشة، فلا يمكنهم التفاعل مع محيطهم وهو ما يساهم في الانتشار الكبير والسريع لمرض “طيف التوحد” الذي تعاني منه مختلف المجتمعات.

واختتمت الدكتورة “صفية شقاق”، لقاءها مع يومية “البديل”، باقتراح حل، تراه أفضل طريقة لتربية صحيحة للأطفال، تقتضي منع الهاتف الذكي، اللوحات الرقمية، التلفزيون عن الأطفال حتى يتجاوزوا سن الـ7، على أن يتابعوا وفق برنامج زمني لاستعمالهم هذه التجهيزات ومراقبة محتواها بعد هذه السن، حتى يكون الطفل عاديا ويمكنه أن يتحكم هو في هذه التجهيزات وليس العكس.

 

من هي “صفية شقاق”؟

 

تعتبر “صفية شقاق” مسرحية بارزة خاصة في مسرح الطفل، وقد نالت عدة جوائز في المجال داخل وخارج الوطن، سواء عن الأداء أو التأليف أو الإخراج.

كما أنها ممارسة لمهنة الطب، الذي اختارته، كمهنة بعد أن ألزمتها عائلتها بتحقيق نتائج إيجابية ودخول عالم الجامعة، لتمكينها من ممارسة شغفها الذي كان ملازما لفضاء المسرح، فنجحت في المهمتين، وهي تشتغل حاليا على التحضير لتأليف كتاب يتناول “إدراج المسرح في العلاج”، عن طريق استغلال نتائج تجاربها المسرحية خاصة مع ذوي الهمم.

 

ميمي قلان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى