لك سيدتي

“غنية”… “لبّاسة العرايس” بين التجديد والحفاظ على التقاليد

بين الإبداع في "الجُوهر الحر" و"الشدة"...

لا تكاد “أجندتها” تنتهي من مواعيد “إلباس العرائس”، حتى تبدأ طلبات جديدة لحجز تواريخ قادمة لضمان فرصة “إلباسهن الشدة” في يوم عمرهن، والتزود بقطع الحلي من الجواهر المصنوعة خصيصا لهن، وفق رغبة كل زبونة، لا يمكن أن تجدها عند غيرها، لأن الحرفية “غنية معروف” تشتغل تحت الطلب وتعتمد اللمسة الشخصية المتفردة ضمانا لرواج منتوجها وحفظ الخصوصية لكل امرأة أو زبونة..

ليس غريبا على “غنية معروف”، الحرفية التي ذاع صيتها ليس فقط على مستوى الوطن بعدما برزت بالجهة الغربية، كونها ابنة مدينة الرقي والهمة والذوق والجمال، ومقيمة بولاية عين تموشنت المجاورة لتلمسان، والتي نساءها تبحث عن التميز والتجديد دوما، فقد أصبحت الطلبات تأتيها من الخارج، بعدما وصل حليها إلى ما وراء البحار كهدايا من أحبابهم ومعارفهم الذين انتقوا من عندها قطعا فريدة ومتميزة، لاسيما وأنها مصنوعة من “اللؤلؤ المعروف بالجُوهر الحر”.

 

للجدة دور في تربية الأحفاد على ثقافة التقاليد وحفظ الحرف

نشأت “غنية معروف” بمدينة تلمسان، المعروفة بتراثها وتقاليدها التي تعمل المرأة على الحفاظ عليها بكل تفاصيلها.

فقد كانت “غنية” ترافق جدتها كل الوقت، وتحاول تقليدها في نشاطاتها اليومية، لاسيما وأن جدتها كانت تركز على منحها الفرصة مثل بقية بنات العائلة لمساعدتها، خاصة في مجال الخياطة الذي يعد عالما واسعا جدا، مليئا بالإبداع والتفنن في ألوانه وتفاصيله.

وبمرور الوقت، لم تهتم “غنية” بالدراسة لأنها عشقت عالم الألوان والخياطة، فاتجهت إلى التركيز على الطرز بكل أنواعه وبدأت في تجسيد خيالها في تنسيق الألوان، بين المجبود، الفتلة، العقيق وغيرها، فكانت تلبي طلبات جدتها وتساعد بنات عائلتها وجيرانهم في تحضيراتهن، خاصة عندما يتعلق الأمر بحفل زواج إحداهن.

وفي المقابل، كانت والدتها توجهها وتنصحها، حتى أصبحت معروفة بين الناس وأصبح الطلب على خدماتها يتوسع.

 

نداء في الإذاعة… يغير القدر ويفتح المستقبل

بينما “غنية” في بيتهم العائلي بولاية عين تموشنت أين تزوجت، تنشط في عالم الخياطة وتهتم بمجال الحلي على صوت الإذاعة، تبدع في تركيب وإنتاج كل ما يتعلق بجمال المرأة من إكسسوارات، خاصة تلك التي تضعها فوق ما يعرف بلباس “الشدة”، ذات يوم من سنة 2011، مر على مسمعها نداء عبر الإذاعة، يدعو كل امرأة ماكثة بالبيت وتنشط في مجال حرفي وتتقنه، الالتحاق بغرفة الصناعة التقليدية والحرف من أجل الحصول على شهادة تكوين و”بطاقة الحرفي”، والتي تسمح لهم بدخول عالم النشاط الحرفي وتوسيع النشاط وضمان تأمين يسمح لهم بتقاعد مريح.

إضافة إلى الاستفادة من مساعدات الدولة التي تقدمها في كل مرة لأصحاب المهن والحرف. توجهت إلى غرفة الصناعة التقليدية والحرف لعين تموشنت وهناك حصلت على بطاقة الحرفي، وبدأت في التخطيط لتوسيع نشاطها، بعد فترة وجيزة حصلت على اتصال من رئيس غرفة الصناعات التقليدية والحرف “عثمان بوسعيد” و”فاطمة عبابو” من مديرية الشباب والرياضة، لتشارك في المعرض الخاص بالاحتفالات بالصناعات التقليدية والحرف الممتدة من 24 إلى 29 نوفمبر2011.

وقد كانت فرصة ثمينة لها، إذ أنها بعد فترة قصيرة من انضمامها إلى عالم الحرفيين، نظمت أول مشاركة لها في مجال صناعة الحلي، وبالتحديد في صناعة “اللؤلؤ أو الجوهر”، وقد حصل أنها باعت كل ما قامت بعرضه واستقبلت طلبات جديدة، وهو ما أبهرها وجعلها تزيد من تركيزها في هذا المجال.

 

المعارض فرصة لتوسيع شبكات التعارف وعرض التميز وصناعة الاسم

استغلت الحرفية “غنية معروف” نجاح مشاركتها في معرض الحرف والمهن سنة 2011، بعدما باعت كل معروضاتها من حلي الجوهر هناك، فاتجهت إلى تفعيل خيالها والإبداع في صناعة إكسسواراته.

وبعد انتشار اسمها محليا لجودة منتجاتها، بدأت تشارك لعرض حليها كلما وجدت الفرصة إلى ذلك، وهو ما أكسبها زبائن جدد، إضافة إلى أولئك الذين كانوا يشملون شبكة العلاقات العائلية، فجاءت معارض سنتي 2013 و2014، فشاركت ولكنها خضعت لشروط المسابقة التي نظمت وقتها للحرفيين، وأهمها “المنتوج الحرفي” المشارك في المسابقة لم يسبق وأن نال جائزة سابقا، ويحتوي على لمسة إبداعية مميزة، وهو ما عملت عليه الحرفية “غنية” التي أبدعت في صناعة حلي يجمع “اللؤلؤ أو الجوهر الحر” بـ “الكريستال”، وقد كان طقما مميزا جدا مكنها من الفوز بالجائزة الأولى، كما فازت بالجائزة الثالثة وطنيا في مسابقة “الورشة المفتوحة”، والتي تشتغل فيها وتصنع طلبية الزبون بحضوره ويراقب ذلك لجنة تحكيم.

وتركز “غنية”، على المشاركة في كل المعارض والأنشطة التي تضم حرفيين، إيمانا منها بأن هذه التظاهرات تفتح باب التعارف والانفتاح على الغير، للاطلاع على آخر ما تم توفيره وإنتاجه في المجال، إضافة إلى تبادل الأفكار والآراء لتطوير الأفكار الشخصية وتنمية القدرات الإبداعية للحرفي، إضافة إلى إمكانية كسب زبائن جدد وصناعة اسم خاص لما ينتجه ويعرضه.

 

“الشدة” اللباس الرسمي لعروس الغرب… طريقة لبسه “سر” أتقنته “غنية”

ترعرعت “غنية معروف” في مدينة تلمسان، المعروفة باجتهاد أسرها في الحفاظ على تقاليد المنطقة خاصة أصول الأعراس والمناسبات، جعلها تبدع في مجال صناعة الحلي، إلا أنها في المقابل تجتهد في الحفاظ على تقاليد حماية لباس “الشدة” من الإضافات أو التعديلات، التي يمكن أن تقضي على أصلها وتفاصيلها المميزة جدا.

حيث تتلقى “غنية” اتصالات مستمرة من العرائس، ليس فقط من عين تموشنت أو تلمسان وإنما حتى بوهران، مستغانم بعدما ذاع صيتها وأصبحت محترفة في إلباس العرائس هذا اللباس الذي يعتبر تحفة ومفخرة للعروس التلمسانية وانتشاره المستمر بباقي مناطق الوطن.

وتستغل فرصة إلباس العروس “الشدة” لتعرض منتجاتها في مجال الحلي، لاسيما وأن أصل التزيين بالاكسسوارات مع “الشدة” يرتكز أساسا على “الجوهر”، حسب الإمكانيات المالية لكل عروس، فهناك من ترغب في اقتناء تلك الاكسسوارات لتستعملها مستقبلا وهناك من تتزين بها لحظة العرس وتعيدها لصاحبتها مع باقي الاكسسوارات.

وكذلك بالنسبة للباس الشدة، فهناك عروس هي من تقتنيها بإكسسواراتها و”غنية” تلبسها فقط، وهناك من تعتمد على شدة غنية وإكسسواراتها، خاصة وأن العادات بدأت في التغير بعد ارتفاع أسعار الذهب، فقد بدأت النساء تعتمد على الذهب المزيف المعروف بـ “البلاكيور”، وكذا “الجوهر المزيف” أيضا، في وقت تقتني أخريات الجوهر الحر من أجل الحفاظ على سلامة بشرتها من الإصابة بالحساسية والاستعمال المتكرر للحلي الأصلي.

وعن الطلب الدائم على خدمات الحرفية “غنية معروف”، لإلباس العروس الشدة في فرحها، فإن ذلك يعود إلى الإتقان الجيد لها، في تحديد ما يتماشى في طريقة لبس الشدة، التي تركز على شكل رأس ووجه العروس وقوامها وحجم جسمها، لأن الاكسسوارات لا توضع بنفس الحجم والعدد لكل العرائس، بل يختلف عدد “الزروف” على الجبين وخيط الروح والجبين، إضافة إلى وضعية الجوهر على الصدر. ناهيك عن المناديل، خرصة الأذنين، غطاء الرأس، الذراعين. إضافة إلى طريقة الماكياج، التي يجب أن تكون خفيفة. فـ “غنية” تحرص على كل التفاصيل الدقيقة حتى تظهر العروس “سرها” الذي يبرز جمالها وأناقتها وروعتها في يوم عمرها.

 

التكنولوجيا الرقمية فرصة لكسب الزبائن ودعم الدولة فرصة لتوسيع النشاط الحرفي

تركز الحرفية “غنية معروف” في لقاءاتها مع البنات في كل المناسبات، على دعوتهن إلى الاستغلال الذكي لوسائل التواصل الاجتماعي عبر استعمال التكنولوجيا الرقمية لما يفيدهن ويساعدهن على تأمين مستقبلهن، من خلال تعلم حرف ونشاطات تسمح لهن بالإبداع والابتكار انطلاقا من البيت ولا تتطلب إمكانيات كبيرة، كالطرز، الخياطة، الحلاقة، الطبخ… والتعلم من خلال الفيديوهات والمحتوى القيم وفتح حسابات، والتواصل مع مواقع التوصيل والتسويق للتعريف بمنتجاتهم وتسهيل وصولها إلى الزبون..

في الوقت الذي تدعوهن، إلى ضرورة الحفاظ على التقاليد والحرص على عدم طمس أصولها في حال تم إدخال تجديدات عليها، لأنها تقاليد وتراث يؤرخ ويوثق للهوية والشخصية الجزائرية المميزة عن غيرها من شعوب العالم.

وبالموازاة، فهي تدعو كل حامل فكرة قابلة للتجسيد، إلى الالتحاق بمؤسسات الدعم والتكوين التي وضعتها الدولة لمساعدتهم على تنفيذ مشاريعهم، على غرار وكالة تسيير القرض المصغر “أونجام”، التي تحتضن حامل المشروع وتمونه، إضافة إلى فتح باب تسويق منتجاته من خلال الموقع الذي فتحته مؤخرا، وهي الفرصة التي يجب استغلالها بكل ذكاء واحترافية.

أعدته: ميمي قلان 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى