روبرتاج

“خوتة زكرياء”.. حكاية ممثل اختارته الخشبة منذ الطفولة

تحديات الأدوار وشغف بالفن الرابع

في عالم المسرح، لا يأتي النجاح صدفة، بل يولد من شغف طويل وصبر وتجارب متراكمة، تصنع شخصية الفنان فوق الخشبة وخارجها وبين أضواء الركح وصمت الكواليس، تتشكل حكايات فنانين اختاروا أن يجعلوا من المسرح أسلوب حياة، قبل أن يكون مجرد هواية أو مهنة.

من بين هذه الأسماء، يبرز الممثل المسرحي “خوتة زكرياء”، إبن ولاية تيسمسيلت، الذي ارتبط بعالم المسرح منذ سنوات الطفولة، ليجد نفسه مع مرور الوقت واحدا من الوجوه المسرحية التي عاشت تجارب مختلفة داخل هذا الفن، الذي يعتبره جزء لا يتجزأ من حياته اليومية.

في هذا الحوار، يتحدث “خوتة زكرياء” عن بداياته الأولى مع الخشبة، والداعم الأول الذي فتح له أبواب المسرح، كما يكشف عن نظرته الخاصة إلى الأداء المسرحي وطريقته في تقمص الشخصيات، متوقفا عند آخر مشاركاته الفنية، وكاشفا عن جديده المسرحي المرتقب.

 

بداية عرفنا بنفسك، وبدايتك الأولى في عالم المسرح؟

أنا “خوتة زكرياء” من ولاية تيسمسيلت، ممثل مسرحي، وكانت بدايتي الفعلية سنة 2006، عندما التحقت بفرقة ” فيلار” المسرحية بدار الشباب “بويليس عمر”، وهناك بدأت أولى خطواتي الحقيقية فوق الخشبة، كانت تلك المرحلة بمثابة الانطلاقة الأساسية بالنسبة لي، لأنها سمحت لي بالتعرف أكثر على هذا العالم الفني واكتشاف الكثير من تفاصيله، سواء من حيث الأداء أو الاحتكاك بالممثلين والتدرب على النصوص المسرحية.

 

متى اكتشفت موهبتك الفنية؟ ومن كان الداعم الأول لك في هذا المجال؟

في الحقيقة، لا أستطيع القول إنني اكتشفت موهبتي في لحظة معينة، لأن المسرح كان دائما جزء من حياتي منذ الصغر، أستطيع القول إنني كبرت وأنا مرتبط بهذا العالم، ولم أمارس نشاطا آخر أو رياضة أخرى خارج المسرح، لذلك أصبح بالنسبة لي جزء من الهوية الشخصية.

أما عن الداعم الأول، فأعتبر صديقي “راموس كمال”، الشخص الذي منحني الفرصة الأولى للدخول إلى عالم المسرح، لأنه فتح لي الباب وشجعني على خوض التجربة، وهو أمر لن أنساه.

 

ما الذي جذبك إلى المسرح وجعلك تختاره دون غيره من الفنون؟

بصراحة، أقول دائما إن المسرح هو من اختارني، وليس العكس، لم يكن لدي ميل واضح نحو الفنون الأخرى، ولم أشعر يوما أن هناك مجالا فنيا آخر يمكن أن يأخذ نفس المساحة التي أخذها المسرح في حياتي، منذ الصغر كنت أشعر أنني أنتمي إلى هذا العالم، وربما هذا ما جعل علاقتي بالمسرح تستمر كل هذه السنوات.

 

كيف كانت أول تجربة لك فوق خشبة المسرح؟

لا أخفي أن التجربة الأولى كانت صعبة جدا، لأن الوقوف أمام الجمهور ليس بالأمر السهل، خاصة عندما تكون في بداية الطريق، الخشبة تمنحك شعورا مختلفا، فيه رهبة ومسؤولية في الوقت نفسه، لأنك تجد نفسك أمام جمهور ينتظر منك أداء مقنعا، لكن مع مرور الوقت والتجارب، أصبحت الأمور أكثر سلاسة، واكتسبت ثقة أكبر في نفسي وفي قدراتي الفنية.

 

حدثنا عن أبرز الأعمال المسرحية التي شاركت فيها وتعتز بها؟

أعتز بجميع الأعمال المسرحية التي شاركت فيها، لأن كل تجربة لها خصوصيتها وتفاصيلها المختلفة، لا أستطيع أن أفضل عملا على آخر، لأن كل عمل قدم لي إضافة معينة، وساهم في تطويري كممثل، سواء من حيث الأداء أو التعامل مع النصوص أو فهم الشخصيات بشكل أعمق بالنسبة لي، كل تجربة مسرحية تمثل محطة مهمة في المسار الفني.

 

كيف تقيم آخر مشاركة مسرحية لك، وماذا أضافت إلى مسيرتك الفنية؟

آخر مشاركة لي كانت في مسرحية “قونقارينا”، من إخراج “وحيد عاشور” وسيناريو “وحيد مطهري”، وكانت تجربة مختلفة ومميزة بالنسبة لي، هذا العمل اعتمد بشكل أكبر على أداء الممثل مقارنة بالسينوغرافيا، وهو ما جعل المسؤولية أكبر فوق الخشبة، لأن التركيز كان موجها أساسا نحو الأداء والتجسيد الحقيقي للشخصيات.

كما أن هذه التجربة كانت الأولى من نوعها بالنسبة لي، لأنني لم أسبق أن اشتغلت على هذا النوع من المسرحيات، لذلك أضافت لي الكثير من الخبرة وجعلتني أكتشف أبعادا جديدة في الأداء المسرحي، خاصة فيما يتعلق بالتركيز على التفاصيل الصغيرة للشخصية، وكيفية إيصال الأحاسيس إلى الجمهور بأبسط الوسائل.

 

هل تميل إلى الأدوار الكوميدية أم الدرامية، ولماذا؟

أميل أكثر إلى الأدوار الكوميدية، ربما لأنها تمنحني مساحة أكبر للتعبير، وتسمح لي بالتواصل مع الجمهور بطريقة مختلفة، الكوميديا ليست سهلة كما يعتقد البعض، بل تحتاج إلى ذكاء في الأداء وقدرة على إيصال الفكرة بطريقة تلقائية ومقنعة. كما أن إسعاد الجمهور ومنحه لحظات من الفرح أمر جميل جدا بالنسبة لي، لكن هذا لا يعني أنني أرفض الأدوار الدرامية، لأن الممثل الحقيقي يجب أن يكون قادرا على خوض مختلف التجارب الفنية، وكل دور يحمل تحدياته الخاصة التي تتطلب التحضير والتركيز.

 

كيف تستعد لتجسيد شخصية مسرحية جديدة؟

أعتقد أن أهم خطوة بالنسبة للممثل هي أن يفهم نفسه أولا، لأن معرفة شخصيتك الحقيقية تساعدك على الانفصال عنها عندما تدخل في شخصية جديدة، يجب أن تعرف ما الذي تحبه وما الذي تكرهه، وكيف تتصرف في المواقف المختلفة، حتى تستطيع فيما بعد بناء شخصية مغايرة تماما، بعد ذلك أبدأ بقراءة النص أكثر من مرة، وأحاول تفكيك الشخصية، وفهم أبعادها النفسية وطريقة تفكيرها وتصرفاتها، أحيانا أعيش تفاصيل الشخصية حتى في حياتي اليومية، فأحاول التفكير أو الحركة أو الكلام كما تفعل الشخصية المسرحية، لأن هذا يساعدني كثيرا على التقمص الحقيقي، وجعل الأداء أكثر صدقا وإقناعا فوق الخشبة.

 

ما أصعب دور مسرحي أديته خلال مسيرتك الفنية؟

في الحقيقة، أرى أن جميع الأدوار صعبة، لأنه ليس من السهل أن تخرج من شخصيتك الحقيقية لتصبح شخصا آخر أمام الجمهور، التحدي الأكبر بالنسبة للممثل هو أن ينجح في جعل المشاهد يصدق الشخصية التي يؤديها، وأن لا يرى فيه شخصيته الأصلية، كل دور يحمل صعوبته الخاصة، وهناك دائما مسؤولية كبيرة في تقديم أداء مقنع يجعل الجمهور يتفاعل مع الشخصية ويشعر بأنها حقيقية.

 

من الفنان أو المخرج الذي تأثرت به في مسيرتك الفنية؟

تأثرت كثيرا بالمخرج الجزائري “جعفر قاسم”، لأنه يمتلك تجربة مميزة وأسلوبا فنيا خاصا، كما أن أعماله تركت بصمة واضحة وأعطتني الكثير من الإلهام على المستوى الفني.

 

ما جديدك الفني، وما المشاريع التي تعمل عليها مستقبلا؟

أعمل حاليا على التحضير لمسرحية جديدة بعنوان “إمضاء مسموم”، من إخراج “وحيد مطهري”، وأتمنى أن يكون هذا العمل إضافة جميلة لمسيرتي الفنية، وأن يلقى صدى إيجابيا لدى الجمهور ومحبي المسرح. أعتقد أن كل مشروع جديد يمثل تحديا مختلفا بالنسبة للممثل، وفرصة جديدة للتعلم والتطور، لذلك أحاول دائما أن أتعامل مع كل تجربة بجدية كبيرة، وأن أقدم أفضل ما لدي فوق الخشبة.

 

في الختام، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى جمهورك ومحبي المسرح؟

رسالتي إلى جمهور المسرح ومحبيه هي أن يعيشوا هذا الفن ويقتربوا منه أكثر، لأن المسرح ليس مجرد عروض تقدم فوق الخشبة، بل هو عالم يحمل الكثير من القيم والرسائل الإنسانية والثقافية. المسرح يمنحنا فرصة لفهم الحياة من زوايا مختلفة، ويجعلنا نعيش قصصا وتجارب قد لا نعيشها في الواقع. كما أتمنى من الشباب، أن يمنحوا هذا الفن مساحة أكبر من الاهتمام، لأنه فضاء للإبداع والتعبير وصناعة الوعي، وسيبقى دائما مدرسة حقيقية تصنع الفنان والإنسان في الوقت نفسه.

 

جطي عبد القادر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى