
لم تكن مدينة غليزان خلال الثورة التحريرية، مجرد فضاء للمقاومة السياسية والعسكرية، بل كانت أيضا مدرسة وطنية، أنجبت رياضيين تركوا الملاعب وحملوا السلاح دفاعا عن الجزائر. فمن رحم الأندية الرياضية، خرج شهداء ومجاهدون نقشوا أسماءهم في سجل الخلود.
وفي حوار معه أجرته “البديل”، يعود المجاهد “غنام مضمون” بذاكرته إلى تلك السنوات، مستحضرا كيف تحولت كرة القدم إلى واجهة للنضال الوطني، وكيف اختار ورفاقه، الجبال والسجون على حساب الملاعب.
بداية، كيف تصفون مساهمة مدينة غليزان في الثورة التحريرية ؟
غليزان، مثلها مثل كل المدن الجزائرية، قدمت رجالاً صنعوا التاريخ. لم يكن النضال مقتصرا على حمل السلاح، بل كان في كل الميادين؛ في السياسة، الثقافة، الشعر وحتى في الرياضة. خرج من هذه المدينة شهداء ومجاهدون كبار، منهم “بن عدة بن عودة” المعروف بـ”سي زغلول” و(عواد بن جبار، مصطفى بن نعمة وزوقاري طاهر)، وغيرهم، فكل واحد أدى واجبه تجاه الوطن بطريقته.
وكيف ارتبطت الرياضة بالثورة في غليزان ؟
الرياضة كانت مدرسة للوطنية. كانت لدينا فرق مثل “الغليزانية ” La Relizanaise، شبيبة غليزان وسريع غليزان المسلم RCMR .لم تكن هذه الفرق مجرد أندية لكرة القدم، بل فضاءات يجتمع فيها الشباب الجزائري ويتشبع بالروح الوطنية، لذلك كان الاستعمار يراقبها باستمرار.
هل شاركتم في عمليات فدائية ؟
نعم، ومن أشهرها عملية “القرابة”، التي استهدفت أحد ضباط الشرطة الفرنسية، إضافة إلى عملية ضد أحد العملاء. كانت عمليات محفوفة بالمخاطر، لكننا كنا نؤمن أن تحرير الوطن يستحق كل التضحيات.
متى التحقتم بجيش التحرير الوطني ؟
في الأول من أكتوبر سنة 1956، التحقت بجبال العناترة رفقة الشهيد “مصطفى بن نعمة” و”عمراني بن عودة”. وفي اليوم نفسه اعتقل أخي الأكبر “عابد”، فعرفت أن الاستعمار أصبح يبحث عني، فلم يكن أمامي سوى الالتحاق بالجبل. استقبلنا مسؤول الجهة ‘قرميط الناصر’، ثم التحق بنا في جانفي 1957 ، 48 فدائيا من مدينة غليزان، وخضنا عدة معارك، من أبرزها معركة “مناور”، التي تكبد فيها العدو خسائر كبيرة رغم سقوط عدد من الشهداء.
كثيرا ما يذكر اسم الشهيد “زوقاري طاهر” عند الحديث عن الرياضة في غليزان، ماذا يمثل لكم؟
“زوقاري طاهر” كان رجلا وطنيا بكل معنى الكلمة. بعد تخرجه بشهادة الكفاءة المهنية في تخصص الكهرباء، قرر رفقة (أحمد
بن حليمة، أحمد بن شيبوط وغنام لريبي)، تأسيس فريق سريع غليزان المسلم داخل محل الحلاقة التابع لبوقطاية. عُين في البداية “غنام لريبي” رئيسا للفريق، لكنه لم يواصل طويلا بسبب انشغالاته التجارية بين غليزان وتيارت، فتولى “زوقاري طاهر” رئاسة النادي، وقام بتوسيع المكتب الإداري بضم “رادوي” و”نمشي”.
لكن اهتمامه لم يتوقف عند الرياضة، فقد جعل من كرة القدم وسيلة للتواصل مع الوطنيين، وفي مقدمتهم الشهيد “عواد بن جبار”. وفي سنة 1952 سلم رئاسة الفريق لـ”عدة فضيل”، ليتفرغ كليا للنضال السياسي والتحضير للثورة إلى جانب (عواد بن جبار، عبد القادر خماس وقويدر بقدور).
وفي سنة 1958، وخلال الحصار الكبير الذي فرضه الجيش الفرنسي على مدينة غليزان، اقتحم الدرك منزل عائلته واعتقله مع شقيقيه (الحاج والجيلالي)، ثم اقتيد إلى مزرعة “غوتيراز”، حيث ارتكبت مجزرة راح ضحيتها 73 شهيدا. وبعد استشهاده لم تسلم عائلته سوى طربوشه ومفاتيحه، قبل أن تستدل على مكان دفنه، ثم نقل رفاته إلى مقبرة الشهداء.
بعد سنوات الكفاح في الجبال، كيف كانت لحظة اعتقالكم؟
بعد سنوات من العمل الفدائي والكفاح المسلح، ألقي القبض عليَ في جانفي سنة 1960. نُقلت في البداية إلى سجن غليزان ثم إلى مستغانم، وبعدها إلى وهران، قبل أن أُرحَّل مع عدد من المجاهدين إلى السجون الفرنسية. هناك صدر في حقي حكم بالإعدام، وكنت أنتظر تنفيذ الحكم في أي لحظة، لكنني كنت مؤمنا بأن الجزائر ستنتصر مهما طال ليل الاستعمار.
كيف استقبلتم يوم الخامس من جويلية 1962 وأنتم داخل السجن؟
ذلك اليوم لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي. كنت داخل زنزانة بأحد مراكز التعذيب في فرنسا، وفجأة بدأت تتعالى أصوات المجاهدين المعتقلين وهم يهتفون: “تحيا الجزائر”… “الله يرحم الشهداء”. امتلأت السجون بالأناشيد الوطنية والزغاريد، وشعرنا أن تضحيات الشهداء لم تذهب سدى. لم يتحمل الحراس الفرنسيون تلك الفرحة، فانهالوا علينا بالضرب، لكنهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا منا نشوة الانتصار. و بعد أسابيع، صدر قرار بالعفو عن المحكوم عليهم بالإعدام، فعُدنا إلى الجزائر، وكانت أول وجهة لي مدينتي غليزان، لأشارك أهلي وأبناء مدينتي فرحة الاستقلال.
فتاريخ 5 جويلية، هو أعظم يوم في حياتي. هو يوم انتصار شعب بأكمله على استعمار دام 132 سنة. كلما حل هذا التاريخ، أتذكر رفاقي الذين استشهدوا و لم يشاهدوا العلم الوطني يرفرف فوق الجزائر المستقلة. لذلك، أحرص كل سنة على زيارة مقبرة الشهداء والترحم عليهم، فهم أصحاب الفضل الحقيقي في استقلال الوطن.
جيلالي.ب



