
في الخامس من جويلية من كل عام، يقف الشعب الجزائري وقفة وفاء وإجلال أمام تضحيات ملايين الشهداء والمجاهدين الذين صنعوا بدمائهم ملحمة التحرير، واستعادوا للوطن عزته وكرامته بعد احتلال دام أكثر من قرن وثلث القرن. وفي الذكرى الـ64 للاستقلال، تبقى شهادات المجاهدين والمجاهدات منارة تهدي الأجيال إلى حقيقة الثورة الجزائرية، التي لم تكن مجرد معارك بالسلاح، بل كانت مدرسة في التضحية والصبر والإيمان بالحرية.
ومن بين النساء اللواتي سطرن صفحات مشرقة في تاريخ الجزائر، تبرز المجاهدة “زينب زيدوري” الملقبة بـ “زيدورية”، أرملة الشهيد “زيدوري بلقاسم” صاحبة 86 عاما، التي عاشت الثورة بكل تفاصيلها، وقدمت نموذجًا للمرأة الجزائرية الصابرة والمناضلة.
تروي المجاهدة “زينب” أن بدايات مسيرتها الثورية كانت رفقة عدد من العائلات المنتمية إلى عشيرتها، حيث كانوا يستعملون تصاريح تنقل الماشية وسيلة للتمويه على سلطات الاستعمار الفرنسي، حتى يتمكنوا من التنقل بحرية، نقل الأخبار والمؤونة وخدمة الثورة بعيدًا عن أعين المحتل. وكانت هذه الحيلة، من الوسائل الذكية التي اعتمدها الجزائريون لدعم المجاهدين وإرباك الإدارة الاستعمارية.
غير أن مشاهد الظلم والبطش التي ارتكبها الاستعمار في حق أبناء المنطقة، وما كانت تتعرض له النساء من إهانات وتحرشات وممارسات لا إنسانية، أشعلت في نفسها نار المقاومة، فقررت الفرار من قبضة المستعمر. وتحكي أنها اختبأت وسط قطيع من الأغنام كان الأطفال يقودونه عند حلول المساء، حتى استطاعت الوصول إلى أحد الدواوير المجاورة، في رحلة جسدت شجاعة نادرة وإرادة لا تلين، وأصبحت قصتها محل إشادة بين سكان المنطقة.
أما زوجها الشهيد “زيدوري بلقاسم”، فقد كان من أوائل من أوكلت إليهم مهام التحضير لاندلاع الثورة في المنطقة. فقد قدم من ناحية البيض في مهمة تنظيمية واستطلاعية، بهدف تكوين نواة للعمل الثوري في نواحي عين الحديد بولاية تيارت. وهناك، التقى بأحد أعيان المنطقة، المجاهد “سي بلخير بومدين”، الذي كان من المؤمنين بضرورة تحرير الوطن، فتشاورا حول سبل مقاومة المستعمر وإضعاف نفوذه.
وكان من بين الخطوات الأولى التي خطط لها، القضاء على أحد المعمرين الفرنسيين، كان يملك مزرعتين على طرفي الغابة، ويسعى إلى تشكيل قوة مسلحة لحراسة ممتلكاته ومنع المجاهدين من استعمال الغابة ملاذًا ومركزًا لتحركاتهم. وبعد دراسة دقيقة، تمكن الشهيد “زيدوري بلقاسم” بمشاركة أخيه، من تنفيذ العملية بنجاح، الأمر الذي شكل ضربة موجعة للاستعمار الفرنسي.
إثر ذلك، اشتدت حملة الانتقام الاستعمارية، فتعرضت عائلة الشهيد للملاحقة والاعتقال والاستنطاق. ولم يسلم من بطش الاحتلال إخوته وابنه وزوجته المجاهدة “زينب زيدوري”، ولا حتى شقيقتها، حيث ذاقوا جميعًا مرارة التعذيب والضغط في محاولة لانتزاع المعلومات عن المجاهدين، غير أنهم ظلوا أوفياء للعهد، محافظين على أسرار الثورة، مؤمنين بأن الحرية تستحق كل تضحية.
إن قصة المجاهدة “زينب زيدوري”، ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل هي درس خالد في الوطنية والصمود، وتجسيد حقيقي للدور العظيم الذي لعبته المرأة الجزائرية في معركة التحرير، إلى جانب أخيها الرجل، حتى تحقق النصر واستعادت الجزائر سيادتها في الخامس من جويلية 1962.
تُعدّ عائلتي “زيدوري” و”بوخلدة”، التي تنتمي إليها الحاجة “زينب زيدوري”، من العائلات الوطنية التي كان لها دورا مشرّفا في تاريخ الجزائر. فقد قدّمتا أبناءً نذروا أنفسهم لخدمة الوطن، وضحّوا بالغالي والنفيس في سبيل الحرية والاستقلال. ومن بين أفرادهما عدد من الشهداء والمجاهدين الذين شاركوا في الكفاح الوطني، وساهموا بتضحياتهم في استرجاع سيادة الجزائر. وستظل مواقفهم البطولية مصدر فخر واعتزاز، وشاهدًا على روح التضحية والإخلاص التي ميّزت أبناء هذا الوطن.
ج.غزالي



