حوار

رئيس الاتحاد الوطني للصحفيين والإعلاميين الجزائريين “مصباح قديري”، لـ”البديل”:

 "الذكاء الاصطناعي لن يعوض الصحفي المهني"

في ظل المتغيرات التي طرأت على الساحة الإعلامية، من خلال هيمنة الثورة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب رهانات سياسية وتشريعية، وتحديات مهنية واقتصادية، يبرز سؤال حول الاحتراف، تنظيم المهنة واستقلالية المؤسسات الإعلامية، بوصفها من أبرز القضايا المطروحة على الساحة الإعلامية الوطنية.

ولتشريح هذا الواقع واستشراف آفاقه، تستضيف جريدة “البديل” الأستاذ “مصباح قديري”، رئيس الاتحاد الوطني للصحفيين والإعلاميين الجزائريين، الذي يفتح في هذا الحوار، ملفات الذكاء الاصطناعي، التكوين، تنظيم القطاع وفوضى الممارسة، في عالم باتت فيه القوة الإعلامية أحد أهم أدوات التأثير.

 

“البديل”: شهدنا في الآونة الأخيرة، وتزامنا مع تشريعيات الثاني من جويلية 2026، ترشحا مكثفا لرجال الإعلام والصحافة لدخول المعترك البرلماني. كيف تقرؤون هذا التوجه؟ وهل ترون في انتقال الصحفي من “سلطة الرقابة” إلى “سلطة التشريع” ظاهرة صحية تخدم الشأن العام والقطاع الإعلامي؟

 

“مصباح قديري”: ترشح الصحفي للبرلمان حق دستوري يكفله القانون لكل مواطن. ودخول أهل المهنة إلى قبة البرلمان، يمكن أن يشكل قيمة مضافة، لأن الصحفي يدرك نبض المجتمع، ويملك خبرة في متابعة القضايا العامة وتحليلها.

لكن، في المقابل، قد يثير الجمع بين العمل الصحفي والممارسة البرلمانية، إشكالات تتعلق بتضارب المصالح واستقلالية الأداء المهني. فالصحافة تقوم على نقل المعلومات وممارسة الرقابة المهنية، بينما يضطلع النائب بمهمة التشريع والرقابة البرلمانية.

لذلك، فإن نجاح هذه التجربة، يقتضي الفصل الواضح بين الدورين، بما يحفظ أخلاقيات المهنة ويعزز ثقة الجمهور. فالتفرغ للعمل السياسي عند الترشح، وفق ما يقتضيه القانون والضوابط المهنية، يظل خيارا يعزز النزاهة والوضوح ويخدم المصلحة العامة.

 

“البديل”: أصبحت بعض الإمبراطوريات والمؤسسات الإعلامية العربية والأجنبية تمتلك اليوم نفوذا يوجه المشهدين السياسي والاقتصادي العالمي، وبات تأثيرها يعادل قوة جيوش بأكملها في سياق “الحروب السيبرانية والإعلامية”. أين يقع الإعلام الجزائري اليوم من هذه الترسانة الضخمة؟ وكيف يمكنه بناء خطوط دفاع وهجوم حقيقية لحماية وتصدير رسالة الدولة؟

 

“مصباح قديري”: تعزيز الحضور الإعلامي الجزائري على المستويين الإقليمي والدولي يتطلب رؤية متكاملة تقوم على 3 مرتكزات أساسية:

أولا: التنسيق، من خلال تعزيز التكامل بين وسائل الإعلام العمومية والخاصة في القضايا الوطنية ذات البعد الاستراتيجي، مع احترام التعددية والمهنية.

ثانيا: التخصص، عبر تطوير قنوات ومنصات إعلامية موجهة إلى الخارج بلغات مختلفة، تخاطب مختلف الجماهير الدولية بلغة مهنية تراعي خصوصيات كل فضاء إعلامي.

ثالثا: الاستباق، وذلك بالانتقال من الاكتفاء بالتفاعل مع الأحداث إلى المبادرة بإنتاج محتوى موثوق، وتقديم الرواية الوطنية في الوقت المناسب، بما يعزز حضور الجزائر في الفضاء الإعلامي الدولي.

فالإعلام اليوم لم يعد مجرد وسيلة للتواصل الداخلي، بل أصبح رافدا استراتيجيا في إبراز صورة الدولة، والدفاع عن مصالحها، وترسيخ الوعي القائم على المعلومة الدقيقة والمهنية.

 

“البديل”: في نظركم، ما هي الآليات والحلول الناجعة لتطهير قطاع الإعلام من الدخلاء وأصحاب “البروز العشوائي”؟ وكيف يمكن فرض مقاربة قانونية وتنظيمية تفتح أبواب التوظيف الفعلي للنخب المثقفة، خريجي الجامعات ومعاهد الإعلام؟

 

“مصباح قديري”: تنظيم القطاع الإعلامي والارتقاء بالممارسة المهنية لا يتحقق بالشعارات، وإنما عبر 3 آليات أساسية:

1- التشريع: من خلال التطبيق الفعال لأحكام قانون الإعلام، خاصة ما يتعلق بشروط الاعتماد وبطاقة الصحفي المحترف، بما يضمن ممارسة المهنة، وفق الكفاءة والمؤهلات والخبرة التي يحددها القانون.

2- الضبط والمتابعة: عبر هيئات مختصة تضم مهنيين وأكاديميين، تسهر على متابعة احترام دفاتر الشروط والالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية.

3- التحفيز: من خلال تشجيع المؤسسات الإعلامية التي تستثمر في توظيف خريجي معاهد الإعلام، والتكوين المستمر، عبر آليات دعم مناسبة تجعل الاستثمار في الكفاءة خيارا استراتيجيا.

وعندما تقوم الممارسة الإعلامية على الكفاءة والاستحقاق والالتزام بالمعايير المهنية، ستتوسع فرص الكفاءات المؤهلة، وسيزداد القطاع احترافية وتنظيما، كما هو معمول به في مختلف المهن المنظمة.

 

“البديل”: يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه اليوم لاعبا أساسيا في غرف الأخبار. كيف تقيمون مكانة هذه التكنولوجيا في الوسط الإعلامي الحالي؟ وما هي قراءتكم للموازنة بين تأثيراتها الإيجابية المتمثلة في السرعة والتدفق، وتأثيراتها السلبية المحتملة على اللمسة والإبداع البشري في العمل الصحفي؟

 

“مصباح قديري”: دخل الذكاء الاصطناعي غرف الأخبار من الباب الواسع، وهذا واقع لا يمكن تجاهله. وإيجابياته واضحة، فهو يسرع تفريغ التصريحات، ويحلل كميات كبيرة من البيانات في وقت وجيز، ويوفر الترجمة الفورية والأرشفة الذكية، بما يخفف الأعباء التقنية عن الصحفي.

لكن من أبرز التحديات، ألا ينظر إليه كبديل للعقل البشري والخبرة الصحفية، فالخوارزمية لا تمتلك حدس الصحفي الميداني، ولا قدرته على التحقق من المعلومات، وقراءة السياقات، وتقدير الأبعاد الأخلاقية والمجتمعية للنشر. لذلك تظل اللمسة البشرية أساس العمل الصحفي المهني.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة تعزز الأداء، لا بديلا عن القرار التحريري المسؤول. كما أن المرحلة تقتضي وضع ضوابط مهنية واضحة لاستخدامه، وتعزيز تكوين الصحفيين حتى يوظفوا هذه التقنيات بكفاءة، بما يخدم إعلاما أكثر احترافية ومصداقية.

 

“البديل”:  لو أردنا تشريح واقع الصحافة الجزائرية اليوم عبر المقارنة بين جيلين، كيف ترون الفرق بين “إعلامي عصر القلم” الذي عاصر الرعيل الأول وضوابطه، و”إعلامي عصر التكنولوجيا” الرقمي؟ وما الذي فقده المشهد، وما الذي اكتسبه في هذا الانتقال؟

 

“مصباح قديري”: جيل القلم هو جيل الصبر والتحقق، فقد كان الخبر يمر بمراحل دقيقة تبدأ بالتحري، ثم التدقيق اللغوي، وصولا إلى المراجعة القانونية قبل النشر. ولذلك كانت للكلمة مسؤوليتها وقيمتها، وما زلنا نستفيد من تلك المدرسة التي رسخت احترام المعلومة والعمق في التحليل.

أما جيل التكنولوجيا، فقد فتح آفاقا جديدة أمام العمل الإعلامي، بفضل سرعة نقل الخبر، البث المباشر، الوصول إلى جمهور واسع والاستفادة من صحافة البيانات والأدوات الرقمية الحديثة، بما عزز فرص التواصل مع الجمهور.

وفي المقابل، برزت تحديات جديدة، من بينها تسارع وتيرة النشر، بما قد يجعل السعي إلى تحقيق السبق أو الانتشار، يطغى أحيانا على التحقق الدقيق من المعلومات.

والحل ليس في المفاضلة بين الجيلين، وإنما في الجمع بين مزاياهما، فنستفيد من أخلاقيات جيل القلم ودقته، ومن سرعة جيل التكنولوجيا وقدراته الرقمية. فالإعلام اليوم بحاجة إلى صحفي رقمي يجمع بين الكفاءة التقنية والالتزام المهني، ويواكب التطور مع الحفاظ على قيم المهنة وأخلاقياتها.

 

“البديل”: في ظل هذا التحول الرقمي المتسارع، كيف يمكن للاتحاد الوطني للصحفيين والإعلاميين الجزائريين أن يلعب دورا أكثر فعالية في تكوين وتأهيل الأجيال الجديدة من الصحفيين، خاصة في مجالات الصحافة الاستقصائية، والتحقق من المعلومات، ومكافحة الأخبار المزيفة؟ وهل لديكم برامج أو مبادرات ملموسة في هذا الاتجاه؟

 

“مصباح قديري”: لم يعد تكوين الصحفي، في ظل التحول الرقمي، يقتصر على تعلم تقنيات الكتابة والتحرير، بل أصبح يشمل اكتساب مهارات جديدة، مثل التحقق من المعلومات، وتحليل البيانات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مهني وأخلاقي.

ويولي الاتحاد الوطني للصحفيين والإعلاميين الجزائريين أهمية كبيرة لتأهيل الجيل الجديد، من خلال بناء شراكات مع الجامعات ومؤسسات التكوين، وتنظيم دورات تدريبية وورشات متخصصة يشرف عليها خبراء ومهنيون، بما يساهم في ربط الجانب الأكاديمي بالممارسة الميدانية.

كما يعمل الاتحاد، على إدراج برامج موجهة للصحفيين الشباب في مجالات التحقق من الأخبار، ومكافحة التضليل الإعلامي، وأخلاقيات استخدام المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تشجيع الصحافة الاستقصائية وفق الأطر القانونية والمهنية.

وقد تجسد هذا التوجه، من خلال توقيع أكثر من 30 اتفاقية تعاون مع جامعات ومؤسسات أكاديمية عبر مختلف ولايات الوطن، بهدف تقريب التكوين من الطلبة، واكتشاف المواهب الإعلامية، وتعزيز فرص التدريب والتأطير المستمر، مع العمل مستقبلا على إطلاق منصات تكوين رقمية وشهادات مهنية متخصصة.

 

“البديل”: يتحدث الكثيرون عن أزمة “ثقة الجمهور” في الإعلام التقليدي مقابل صعود منصات التواصل الاجتماعي. كيف تقيمون علاقة الجمهور الجزائري بالإعلام الوطني اليوم؟ وما هي الخطوات العملية التي يجب على المؤسسات الإعلامية اتخاذها لاستعادة هذه الثقة، وتعزيز التفاعل البناء مع الجمهور؟

 

“مصباح قديري”: لا شك أن الإعلام اليوم يواجه تحديا حقيقيا يتمثل في تراجع ثقة جزء من الجمهور، ليس في الجزائر فقط، بل على المستوى العالمي، بسبب سرعة انتشار المعلومات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وظهور مصادر غير مهنية تنافس وسائل الإعلام التقليدية.

ومع ذلك، ما يزال الإعلام الوطني يمتلك رصيدا مهما إذا استطاع أن يواكب التحولات، وأن يجعل من المصداقية، السرعة، الدقة والشفافية أولوياته الأساسية.

كما أن استعادة ثقة الجمهور، تتطلب خطوات عملية، أهمها الالتزام الصارم بأخلاقيات المهنة، والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها عند وقوعها، والانفتاح على الجمهور والاستماع إلى انشغالاته.

محمد. ز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى