
في مشهد يعكس عمق الروابط التاريخية التي تجمع وهران بمدينة أليكانتي الإسبانية، احتضنت جامعة وهران1 “أحمد بن بلة” أسبوع “وهران ـ أليكانتي 2026” في طبعته الثانية، التي امتدت فعالياتها حتى اليوم. تظاهرة ثقافية وأكاديمية بامتياز، تحمل شعاراً طموحا “الثقافة والذاكرة واستراتيجيات التنمية المتوسطية”.
حيث أشرف مدير الجامعة على تدشين الفعاليات، في حضور أطراف متعددة جمعت بين الأكاديمي والدبلوماسي والثقافي. وقد أسهم في تنظيم هذا الأسبوع شركاء بارزون، في مقدمتهم مؤسسة “كازا ميديتيرانيو”، وهي هيئة إسبانية عمومية تُعنى بتعزيز التعارف المتبادل بين إسبانيا والدول المتوسطية، إلى جانب معهد “ثيربانتس” بوهران، والقنصلية الإسبانية بالجزائر، وجمعية “فينيسيا” لحماية البيئة البحرية. كما أسهم في الإثراء الثقافي للتظاهرة كل من المسرح الجهوي “عبد القادر علولة” ودار الثقافة “زدور إبراهيم بلقاسم”.
وفي السياق، فلم يغب الجانب العلمي عن برنامج اليوم الأول؛ إذ قدّم عميد كلية العلوم الإنسانية البروفيسور “بن جبور” محاضرة علمية بعنوان “وهران، مدينة متوسطية”، استعرض فيها الخصوصية التاريخية والحضارية لعاصمة الغرب الجزائري، بوصفها نموذجاً للتعدد الثقافي والانفتاح الحضاري عبر القرون.
وعقب المنبر ذاته، تناول الخبير الإسباني في المسارات الثقافية الدكتور “خوردي تريسيراس”، جوانب شيّقة من التاريخ المشترك، مستعرضاً الموروث الغذائي والشعبي لمدينة أليكانتي وامتداد جذورها الأندلسية. مُعرباً في الوقت ذاته، عن إعجاب صريح بما تختزنه وهران من تراث طهوي وتاريخي يستحق، في رأيه، أن يُسوَّق دوليا وينال اعتراف اليونيسكو.
وأسدل النقاش الستار على أعمال اليوم بـ”حوار الخبراء”، الذي أفرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل المدينة القديمة “قصبة وهران” المعروفة شعبياً بـ”سيدي الهواري”، وسُبل إعادة تأهيلها وتثمينها بوصفها شاهداً حضارياً فريداً وأصلاً سياحياً لا يُعوَّض.
كما أضفت الفعاليات الموازية، روحاً فنية على التظاهرة؛ إذ استضافت الجامعة معرضاً للفن التشكيلي يضم لوحات تُجسّد معالم وهران الأثرية من الحقبة العثمانية-الإسبانية، فيما احتضن مجمع “طالب مراد سليم” ورشات في فن القصة المصورة والحكاية البصرية لفائدة طلبة معهد الفنون، بتأطير أساتذة إسبان متخصصين، من بينهم الأستاذ “بيدرو روخو” ومؤسسة “ألفنار”.
وكان للسينما حضور وازن، مع عرض الفيلم الوثائقي “شهر مقدس في يوم واحد” من إنتاج معهد الفنون، وهو عمل يغوص في أعماق الخصوصية الثقافية لوهران ويحتفي بتنوعها الحضاري الفريد. كما امتدت المعارض الفوتوغرافية المشتركة، بين مصورين جزائريين وإسبان، لتشمل المتحف العمومي الوطني للفن الحديث والمعاصر “مامو”، لتُبرز التقاطعات المعمارية والجمالية التي تجمع المدينتين.
وعلى الصعيد المؤسسي، تضمّن برنامج الأسبوع موائد مستديرة حول موضوع “الجزائر-إسبانيا: سبل جديدة لتعزيز التعاون الاستراتيجي بين الضفتين”، إضافة إلى بحث آفاق الشراكة البحثية بين جامعة وهران 1 وجامعة أليكانتي “سان فيسنتي”، لا سيما في إطار مخبر فهرس الأفلام الثورية في السينما الجزائرية، الذي يُعدّ نموذجاً رائداً في التعاون الأكاديمي المتخصص.
توأمة على خريطة التاريخ والجغرافيا
لا يأتي اختيار أليكانتي شريكاً في هذه التظاهرة من باب المصادفة؛ فالمدينتان تتشابهان تشابهاً لافتاً في موقعهما الساحلي المتوسطي، وتتقاسمان إرثاً حضارياً مشتركاً يعود إلى حقبة التواجد الإسباني في وهران والعصر العثماني-الأندلسي، وهو إرث نُقش في المعالم الأثرية، ومنطوق الذاكرة الجماعية للمدينتين على حد سواء. ويؤكد المشاركون، أن هذا اللقاء ليس استعادة نوستالجية للماضي، بل هو بناء واعٍ لجسور التعاون نحو مستقبل متوسطي مشترك.
فالأثر المأمول، أن يمتد لما هو أبعد من مجرد محاضرات وعروض؛ إذ تطمح الجامعة وشركاؤها إلى تحويل هذا اللقاء إلى منصة دائمة للتعاون، تُنتج مشاريع بحثية وتُرسي شراكات مستدامة، بما يجعل من وهران وأليكانتي نموذجاً حياً للحوار المتوسطي الذي يُبنى على الذاكرة المشتركة ويُشيّد للمستقبل.



