روبرتاج

صــنــاعــة الـجــلـود والأحــذيــة بــتـلـمــسان

إرث حضاري عريق وآفاق تنموية واعدة

  • مساعي لوضع خارطة طريق جديدة  لإحياء الصناعة الجلدية تعزيزا لديناميكية الاستثمار

     حظيت تلمسان بسمعة كبيرة وشهرة عالمية لسنوات عديدة لما كانت تتمتع به من صناعات تقليدية على اختلاف أنواعها، هذه الأخيرة كانت وراء ازدهار وانتعاش المدينة لحقب طويلة، الأمر الذي جعل الحرفي يحتل مكانة محترمة في المجتمع التلمساني، ومن أهم هذه الصناعات الصناعة الجلدية التي تعـدّ إحدى الصناعات التي وسعها الفضاء الحرفي التلمساني، فبعد دباغة الجلود وجعلها صالحة للاستعمال تُصنع منها أشياء عديدة ومتنّوعة يُستفاد منها بالدرجة الأولى لأغراض نفعية كالأحذية مثلا، وأخرى للزينة والزخرفة كالمفروشات والوسائد الجلدية، بالإضافة إلى صناعة سروج الخيل وركائبها وتجليد الكتب، وما يدلّ على انتشار المنتوجات الجلدية في السنوات الماضية في تلمسان وجود عـدد كبير من التجار الذين كانت لهم شهرة كبيرة في مختلف أنواع المصنوعات، وخاصة الجلدية.

   وقـد اشتهرت تلمسان بالصناعة الجلدية كمادّة أولية أو منتوج نهائي، فجلودها على اختلاف أنواعها كانت معروفة في إفريقيا وفي بلدان أخرى بسبب القوافل التي كانت تأتي إلى المدينة محمّلة بالبضائع فيبيع أصحابها بضاعتهم في أسواق المدينة ويشترون سلع أخرى من بينها الجلود – لتسويقها في مدن وبلدان أخرى، وهذا ما يُبرز أنّ تلمسان كانت تتمتع باكتفاء ذاتي في كثير من المنتوجات.

  شهـدت ولاية تلمسان محطة اقتصادية هامة في ختام زيارة العمل والتفقد التي قادت وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيق، مرفوقًا بوالي الولاية يوسف بشلاوي، حيث أشرفا على افتتاح معرض الأحذية والجلود بالقاعة متعددة الرياضات قاعة بن منصور يحي متعددة الرياضات بحي دالية ببلدية تلمسان، تحت شعار “من الإحلال إلى التصدير”، والذي عـرف مشاركة 71 مؤسسة تنشط في شعبة الأحذية والجلود حيث عرضت مختلف منتجاتها وإمكاناتها الصناعـية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الإنتاج الوطني، تشجيع الإحلال محل الواردات، وفتح آفاق جديدة لتصدير المنتوج الجزائري نحو الأسواق الخارجية.

   ويأتي تنظيم هذا المعرض في سياق الجهود الوطنية الرامية إلى دعم الإنتاج المحلي وتعزيز قدرته التنافسية في الأسواق الخارجية، خاصة في قطاع الصناعات الجلدية وصناعة الأحذية الذي يُعد من القطاعات الواعـدة في الاقتصاد الوطني، كما يشكّل هذا الحدث الاقتصادي منصة مهمة تجمع بين المنتجين والمتعاملين الاقتصاديين، أتيحت من خلاله الفرصة للحرفيين من مختلف ولايات الوطن بعرض مختلف المنتجات الوطنية في مجال الأحذية والجلود، مع إبراز جودة الصناعة الجزائرية وقدرتها على تلبية متطلبات السوق المحلية والدولية، كما يؤكد هذا المعرض، الذي احتضنته مدينة تلمسان، الدور المتنامي الذي تلعبه التظاهرات الاقتصادية في دعم التنمية المحلية وتعزيز ديناميكية الاستثمار، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى ترقـية الصادرات وخلق اقتصاد متنوع ومستدام، وقـد أعـرب عدد من العارضين المشاركين عن ارتياحهم لتنظيم مثل هذه التظاهرات الاقتصادية التي تفتح أمامهم فرصًا جديدة للترويج لمنتجاتهم، وبناء شراكات إستراتيجية قد تساهم في توسيع نشاطهم والوصول إلى أسواق خارجية.

     الوزير وخلال قـيامه بزيارة مختلف أجنحة المعرض، اطّلع على المنتجات المعروضة من طرف العارضين، واستمع إلى شروحات حول قدرات الإنتاج وجودة المنتوج الوطني في شعبة الأحذية والجلود، مؤكّدًا أهمية مرافقة هذه المؤسسات وتشجيعها على تطوير منتجاتها والتوجه نحو التصدير، كما استمع بالمناسبة أيضا إلى عـدد من المتعاملين الاقتصاديين والمصدرين المشاركين في المعرض، الذين تمكنوا من إبرام عقود تصديرية لمنتجاتهم نحو عدد من الأسواق الخارجية، على غـرار موريتانيا والسنغال، بلجيكا، مصر، الولايات المتحدة وكندا، لاسيما في مجال الأحذية الصناعية، وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد بالمنتوج الجزائري وقدرته على ولوج أسواق دولية جديدة، حيث يعـد هذا المعرض فرصة مميزة لعرض المنتجات الوطنية في مجال الأحذية والصناعات الجلدية، وتعزيز شبكة العلاقات المهنية بين المتعاملين الاقتصاديين، إضافة إلى استكشاف آفاق جديدة للتصدير وبناء شراكات إستراتيجية، بما يساهم في دعم وترقية الصادرات الوطنية.

    ما تجدر به الإشارة أيضا، أن قطاع صناعة الأحذية والجلود شـهـد في الجزائر انتعاشا ملموسا بعد فترة طويلة من الاعتماد على الاستيراد، حيث صدرت ما يقارب 80 ألف زوج من الأحذية خلال سنة 2021، والعشرة أشهر الأولى من 2022 بقيمة 100 ألف دولار، وفقا لما كشف عنه وزير التجارة وترقية الصادرات، كمال رزيق، في وقت سابق، مشيرا في ذات السياق إلى أن الإنتاج الوطني الفعلي للأحذية وفق البطاقية الوطنية بلغ 23.4 مليون زوج، منها 22.2 مليون زوج من الأحذية العادية و1.2 مليون زوج من الأحذية الرياضية، فيما يصل الإنتاج النظري المحتمل إلى 65.5 مليون زوج، وعرف استيراد الأحذية خلال نفس الفترة انخفاضا بنسبة 44 بالمائة من حيث حجم الوحدات و33 بالمائة من حيث القيمة المالية، ما يعكس قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الطلب الوطني المتنامي، الذي يقدر بين 80 و120 مليون وحدة سنويا.

  وأكد الوزير أن عدد مصانع الأحذية النشطة يصل إلى حوالي 1400 مصنع، مع إمكانية الوصول إلى إنتاج 145 مليون وحدة، بينما تحصي السوق ما يزيد عن 2000 شركة ناشطة في الإنتاج الصناعي والحرفي للأحذية.

إنشاء أقسام للبحث والتطوير في كل مؤسسة صناعية وتطوير منتجات الجلود بتلمسان

  شهـدت تلمسان مؤخرا يوما خاصًا حول إنتاج الجلود والأحذية منظم من طرف التكتل الاقتصادي لقطاع الجلود وصناعة الأحذية، حيث تم تسليط الضوء على أهمية هذا القطاع الصناعي في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الابتكار.

 وقـد تخلل الحدث محاضرة قيمة ألقاها السيد صاري حسون زكريا، مدير مركز الطالب حول أهمية الابتكار في القطاع الصناعي ودعا إلى ضرورة إنشاء أقسام للبحث والتطوير (R&D) في كل مؤسسة صناعية لتعزيز الإنتاجية وتطوير منتجات تتماشى مع المتطلبات العالمية، كما شهد الحدث مشاركة مميزة من طرف طلاب مركز الطالب i2E، الذين قدموا مشاريع مبتكرة تهدف إلى استغلال المواد الأولية المحلية وإضافة قيمة صناعية، منها مشروع استخراج الجيلاتين من جلود الحيوانات قـدمه كل من قوار خديجة (طالبة في الكيمياء) وثابت أول وسيم (طالب في الوراثة التطبيقية) مؤطر من طرف الأستاذ ڨوار سهيل، والذي تم من خلاله التركيز على استخراج مادة الجيلاتين من جلود أصناف متعددة من الحيوانات، ما يفتح آفاقًا صناعية واستخدامات في مجالات الغذاء والصيدلة، كما قـدم عـدو محمد مشروعه الابتكاري الخاص بمعالجة جلود الأغـنام، حيث اقترح من خلاله إنشاء مؤسسة متوسطة تهدف إلى جمع ومعالجة جلود الأغنام، مما يساهم في تحسين جودة المواد الخام ودعم الصناعات الجلدية المحلية، إذ شكّل هذا الحدث منصة للتعريف بالإمكانات الكامنة لدى الطلاب ودورهم في تقديم حلول مبتكرة، وأبرز ضرورة دعم الشباب الباحثين لتحقيق مشاريعهم على أرض الواقع بما يعزز التنمية الاقتصادية في الجزائر، ليتوّج في الأخير بلقاءات مثمرة بين الطلبة حاملين المشاريع في مجال الجلود والأحذية، حيث تم تبادل الأفكار والخبرات، وفتح هذا التواصل لتوسيع الشبكة المهنية لحاملي المشاريع، وتعزيز فرص الشراكات المستقبلية مع الفاعلين في هذا القطاع.

رئيس التكتل الاقـتصادي لصناعة الجلود والأحذية…وضع خارطة طريق جديدة لإعادة إحياء هذا النّشاط…

    كشف رئيس التكتل الاقتصادي لصناعة الجلود والأحذية، مصطفى بن عمار، أن وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات كمال رزيق، وعـد باستقبال التكتل في الأيام القليلة المقبلة، جاء ذلك على هامش تدشينه للصالون الوطني للأحذية بتلمسان، وذلك من أجل بحث السبل الكفيلة بإعادة النّهوض بهذه الصناعة التي تتوفر على إمكانيات كبيرة، وكـذا وضع خارطة طريق جديدة لإعادة إحياء هذا النّشاط، والذي عرف ركودا على مدار سنوات بسبب الاستيراد الذي ظل ينافس الإنتاج المحلي، وأدى إلى توقف الكثير من المنتجين عن النّشاط، حيث من المنتظر أن يـقـدّم التكتل الاقتصادي لصناعة الجلود والأحذية، بعض الاقتراحات التي من شأنها تشجيع المنتجين من خلال منح حصص في السوق تحفّز على العودة للإنتاج بوتيرة أكبر، تتوافق مع سياسة الدولة الرامية إلى تنويع الاقتصاد وإعطاء دفع أقوى للشُعب التي تشهد ركودا.

  وتأتي في مقـدّمة هاته المقترحات إلى الوزارة الوصية، المطالبة بتقليص حصة الاستيراد، وكذا الحد من استيراد السلع نصف المصنّعة، وتخفيض نسبة الضريبة على الدخل الإجمالي لموظفي القطاع حتى لا تتجاوز 05 بالمائة، وكذا تخفيض نسبة الاشتراك في الضمان الاجتماعي إلى حدود 12 بالمائة قصد تشجيع بعث ورشات صناعة الأحذية المتوقـفة، باعتبار ذات المتحدّث أن القطاع يحصي حاليا ما يقارب 06 ألاف ورشة إنتاج متوقفة بسبب المنافسة التي فرضها الاستيراد من الصين، والذي بات يوفر منتوجات بأسعار منخفضة تلقى إقبالا من الزبائن بالرغم من رداءة نوعيتها، وهو ما ألحق أضرارا كبيرة بالمنتوج الوطني الذي يتمتع بنوعية جيّدة تجعل أسعاره مرتفعة مقارنة بالمنتوج المستورد ـ يقول بن عمار ـ، الذي دعا السلطات إلى منح ضمانات تمكّن المنتجين من كسب حصص في السوق قصد تحفيزهم على العودة للإنتاج من خلال حماية المنتوج الوطني من “الاستيراد العشوائي”، خاصة وأن شعبة صناعة الأحذية وتحويل الجلود بالجزائر، تتوفر على إمكانيات وقدرات كبيرة واحترافية معروفة تؤهلها لتغطية حاجيات السوق، موضحا أن المنتوج الوطني يقدم نوعية ممتازة تمكّنه من التصدير في حال توفير ظروف الإنتاج.

وأوضح بن عمار، بأن شعبة الجلود وصناعة الأحذية كانت تغطي السوق بنسبة 100 بالمائة قبل فتح الاستيراد، حيث كانت تحصي 07 ألاف منتج 2800 منهم في ولاية تلمسان لوحدها، مؤكدا أن هذا العدد تقلّص إلى 500 منتج فقط حاليا يوظفون حوالي 10 ألاف عامل، في حين أن الإمكانيات التي تتوفر عليها الشعبة تسمح بتوفير أكثر من نصف مليون منصب شغل.

الصناعات الجـلـدية ثروة اقتصادية هامة في دفع عجلة التنمية

    ممّا لاشّك فيه أنّ الصناعة التقليدية والصناعة الجلدية على وجه الخصوص قد شكلّت في الماضي إحدى المصادر الهامّة في الاقتصاد المحلّي لتلمسان، فقد احتلّت مكانة مرموقة، وأهمية بالغة في المبادلات التجارية لأفراد المجتمع كلّه، ولعلّ ما يُبرز هذه الأهمية هو انتشار الحرفيين المستعملين للجلود في عدّة أماكن من المدينة كالسّراجين والبلغاجيين، كما أنّ النمط المعيشي التقليدي الذي كان يطغى على المجتمع التلمساني ساعد على ازدهار هذه الصناعة بحيث كانت تعدّ أحد الموارد الذي يعتمد عليها الفرد في تلبية حاجياته اليومية، فلو وجّهت هذه الصناعة حسب الحرفيين الذين تحـدّثت معهم “الـبـديـل” على هامش معرض الأحذية والجلود المنظم بالقاعة متعددة الرياضات قاعة بن منصور يحي متعـددة الرياضات بحي دالية ببلدية تلمسان، الوجهة الصحيحة لكانت قادرة على خلق مناصب عمل دائمة، ومن ثمّ امتصاص البطالة التي يعاني منها شباب المدينة، كما أنّها قادرة على خلق الثروات وتوفير مداخيل بالعملة الصعبة ولما لا تكون البديل الأمثل لقطاع المحروقات في الجزائر لأنّها قادرة لو استغلّت الاستغلال الأمثل ـ حسبهم ـ على أن تساعـد بشكل من الأشكال في تقوية وتوجيه الاقتصاد المحلّي وتطويره.

اعداد:ع. أمــيــر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى