
كيف كانت أولى خطواتك نحو عالم الصحافة؟
كانت أولى خطواتي في عالم الصحافة، تشبه رحلة لاستكشاف عوالم جديدة من خلال الوصول إلى المعلومة؛ كنت لازلت طالبة بكلية اللغة والأدب العربي بجامعة وهران عندما التحقت بجريدة “الجمهورية”، عن طريق مسابقة لتوظيف متعاقدين صحفيين في سنة 1991.ونجحت في امتحان التصفية من خلال تغطية الأحداث الرياضية، وكان آنذاك جد صعب ولوج المرأة في هذا التخصص، لكن عشقي للصحافة جعلني أقوم بالمغامرة عندما شجعني زميلي في الدراسة قائلا أنت أصلا كنت رياضية متميزة في كرة اليد أثناء مرحلتك الثانوية.
والشيء الهام أيضا التقائي ببارون الإعلام للصحافة الرياضية الأستاذ “عباس مجاجي”، جعلني أعشق ميدان الإعلام الرياضي قبل أن ألتحق بعدة أقسام أخرى خلال مهنتي الصحفية،الذي قال لي آنذاك ينقصك فقط بعض المهارات التقنية لكتابة المقال الصحفي .لأنك أصلا شاعرة ومتمكنة من اللغة السليمة وعليك فقط التعامل مع المعلومة الصحيحة ونجحت بالامتحان .ومن نشر لي أول ربورتاج وكان طبع اسمي بالبند العريض حول فريق مولودية وهران لكرة اليد النسوية، وقال لي آنذاك “مجاجي”، الجميع بدأ بخبر وأنت بدأت بربورتاج، وكتبت اسمك مع الكبار وهذا كان فضل من عند ربي.
ما الذي جعلك تختارين مجال الثقافة عوض السياسة أو الرياضة أو غيرها؟
كان لي الحظ أنني اكتسبت تجربة في تخصصات كثيرة وفي عدة أقسام،منها الرياضي،المحلي،الجهوي والسياسي. لكن المحطة التي أحببت أن أعطيها جهدي الكبير هي الثقافة، فولوجي في طاقم فريق جريدة “الجمهورية الأسبوعية” الثقافية كان جيدا بالنسبة لي، وهذا بعدما كنت من الأعضاء الأساسيين الذين شاركوا في إطلاق الجمهورية الرياضية سنة 1993، تحت قيادة رئيس التحرير الأستاذ “عباس مجاجي”.
وشاركت في نجاحها إلى غاية استقالة “مجاجي”، الذي كان مهددا آنذاك من قوات الظلام، وهجر رفقة عائلته إلى الخارج، فتنقلت للعمل مباشرة مع فريق الجمهورية الأسبوعية، هناك تأقلمت مع ميولي الأدبي والثقافي إلى غاية حل جريدة “الجمهورية” وإعادة فتحها من جديد سنة 1997، بعد ذلك انتقلت للعمل بالقسم الثقافي كصحفية لأشرف فيما بعد في سنة 2001 كمسؤولة قسم على الصفحات الخاصة، التي كانت تعتني بالحدث الأسبوعي من خلال معالجة الحدث بالتحاليل، التي كان يكتبها أفضل الأقلام الصحفية المعروفة آنذاك. سواء كان الحدث سياسيا أو رياضيا أو ثقافيا واجتماعيا،ثم عينت بعد ذلك كمسؤولة للقسم الثقافي لمدة 15 سنة، غطيت من خلاله أهم التظاهرات المحلية والوطنية والدولية، وأجريت أهم اللقاء مع العديد من الشخصيات البارزة في الوطن والعالم العربي والدولي، فيما بعد أشرفت على قسم الذاكرة والتاريخ، ثم القسم الجهوي لغاية تقاعدي في أكتوبر 2023.
أثناء عملك الصحفي، قمت بإجراء بالكثير من الحوارات، من هي الشخصية التي شدتك بردها، أو فاجأتك بمعلومة حصرية أحدثت ما يعرف بـ “البوز”؟
لقد أجريت العديد من الحوارات الهامة مع شخصيات في شتى الميادين من سياسيين وأدباء وفنانين ومجاهدين، ومنهم المجاهد الكبير “بوشعيب الحاج”، من مجموعة الـ 22 التي أشرفت على انطلاق ثورة التحرير الجزائرية.
لكن لازلت أحتفظ في ذاكرتي بحوار هام مع البروفيسور “فؤاد حاج علال”، الذي كان آنذاك رئيس مصلحة طب الأذن والأنف والحنجرة بمستشفى تلمسان الجامعي. والذي يعتبر من عمداء الطب في تخصصه بالجزائر .. وقد علمت بالصدفة من زوجته الدكتورة “رفيعة مزاري”، وهي روائية وشاعرة أن زوجها سيجري لأول مرة في الجزائر عملية زرع القوقعة للأطفال.
وإذا نجحت العملية، فهي فرصة لرجوع السمع لهذه الفئة، تنقلت إلى مكتبه وأجريت حوارا طويلا وتطلب مني يومين، لترجمة المصطلحات العلمية قبل نشره، كنت أول واحدة تعلم بالخبر، لأن العملية أحيطت بسرية كاملة، لأنها كانت قيد التحضير، ونشرت الخبر قبل أن يجري أول عملية بولاية تلمسان سنة 2013.
وخلال عدة أيام، استفاد أكثر من 45 طفلا من هذا الإنجاز، بعد ذلك أجراها في وهران، ثم عممت على عدة ولايات تحت إشرافه، والجميل كان لي ”البوز” في إعطاء تفاصيل العملية التي تصدرت العنوان الأول قبل الجرائد الوطنية ووكالة الأنباء، مما جعل مدير الجريدة آنذاك يكافئني على هذا البوز في أجري الشهري.
لكن في أعماقي، لا يزال هذا الحوار والخبر يعيش في أعماقي، لأنني اعتبرته ليس سبقا صحفيا فقط، ولكن ضوء من عند الله في إفشاء ظلام عتمة ضعف السمع الصامت.الذي يخيم على حياة طفل يعيش به طول حياته، وبهذا النور قدم البروفيسور “الحاج علال” لآلاف الأطفال ولعدة سنوات نور السمع في الوقت المناسب .
في زمن الذكاء الاصطناعي وتطبيقات المحاكاة الصوتية، هل يمكن للتكنولوجيا الرقمية أن تنافس الإنسان في مجال الثقافة (شعر، قصص، أغاني، أفلام ومسلسلات…) ؟
أكيد الجواب يكون بالنفي لا …،لأن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية والتطبيقات التي تتطور من ثانية إلى أخرى في الدول المتقدمة، لا يمكن أن تنافس العقل البشري في مجال الإبداع الثقافي لأن العقل من صنع الله خالق هذا الكون.
وهذا العقل يبدع ويقدم مشاعر وعواطف متناقضة أصلا داخله، ويعيشها كانسان لكن الآلة تنتج لك نصا لكن بدون روح، لذا أصبح الذكاء الاصطناعي خطير جدا في كثير من الأحيان إذا استعمل في غير موقعه، ويكون ذو فائدة من ناحية أخرى، إذا استعمل في الوجهة الصحيحة، مع العلم أنه لا يزال في طور التجريب ولا ندري إلى أين يصل به مخترعو هذا الانجاز.
ما هو جديدك الصادر مؤخرا بالصالون الدولي للكتاب؟
صدر لي كتاب جديد عن دار “نوميديا” بقسنطينة بعنوان ”عبدالله حمادي .. الموسوعة”،وهو خاص بالسير والتراجم يعكس مسار البروفيسور “حمادي”وطفولته أثناء الثورة المجيدة ورحلاته العلمية.وقدمت بعض التحاليل ونماذج عن كتبه في عدة مجالات من ترجمة من اللغة الإسبانية للغة العربية للعديد من الشعراء والأدباء الإسبان والأمريكولاتنيين، إلى جانب أعماله في الرواية والشعر وتحقيق المخطوطات، وأضفت في الكتاب شهادات حية للعديد من الأسماء الأدبية الجزائرية والنقدية حول شخص “عبدالله حمادي”، والمؤلف جاء في 378 صفحة تضمن كل زاده الحياتي والمعرفي، وهو تكريم لشخصه في حياته.
هل هناك مؤلف جديد بصدد كتابته حاليا؟
أنا بصدد الرتوشات الأخيرة لمؤلف حول “الشهيد أحمد زبانة”، من خلال شهادات حية لمن عايشوه في حياته، قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام بالمقصلة.وهو عمل تطلب مني جهد البحث، واستعنت بالشهادات التي جمعتها في وقت سابق خلال عملي الصحفي في تغطية الأحداث والمناسبات الوطنية.وهوإضافة لما هو موجود حول الذاكرة الوطنية، بحكم أنه رمز من رموز وهران والجزائر.
من هي “زهرة برياح”؟
ولدت يوم 17 سبتمبر 1968، وفتحت عيوني الصغيرة بحي ساحة عيسى مسعودي صاحب الصوت المدوي “هنا الجزائر”،الذي قال عنه المرحوم “هواري بومدين”، “أن الثورة انتصرت بفضل الثنائي جيش التحرير الوطني وصوت عيسى مسعودي”.
في هذا الحي العتيق من المدينة الأصيلة وهران، تنفست أكسجين الحياة ولعبت مع الأطفال الذين كانوا يتوافدون قرب مبني الإذاعة والتلفزيون. حيث شاركت في العديد من برنامج الحديقة الساحرة وأنا ابنة الخمس سنوات، واستمتعت بحكايات حديدوان (إيقاش محمد)،وماما مسعودة (حمزة فوغالي)، وحفظت القرآن الكريم في الكتاتيب بجوار مدرسة “المحامي تيفني”، التي ولجت عالمها الدراسي في الطور الابتدائي.
بفضل رعاية والدي ووالدتي رحمهما الله، اللذان زرعا بذرة العلم والأخلاق والتربية في تربة الفطرة، صقلت موهبتي الصغيرة، فغرسا في عقلي الصغير حب سرد الحكايا والقصص القرآني، وربما حتى حب الإعلام الذي تعلقت به في صغري، وأنا أدخل استوديوهات التلفزيون الذي كنت أسكن بالقرب منه، هذا المعلم الإعلامي الكبير الذي ضم أشهر الإعلاميين والمذيعين آنذاك.
لقد وُلدت بموهبة الأدب منذ الطفولة، من خلال كتابتي لبعض الخواطر الشعرية والقصصية التي كنت أشارك بها في المدرسة والثانوية والجامعة، حيث فزت بإحداها في مسابقة وطنية سنة 1988 عن أوبيرات شعرية بعنوان “لهيب فلسطين المقدس” بافتكاك المركز الأول.هذه الجائزة أعطتني الدفع الفعلي لمساري الأدبي من خلال مشاركاتي في ملتقيات وطنية ودولية قبل ولوجي عالم الصحافة والإعلام.
وقبل تخرجي من معهد اللغة والأدب العربي بجامعة السانية بوهران، التحقت بالعمل الصحفي في سنة 1991 بجريدة “الجمهورية” من خلال مسابقة شفوية وميدانية وقبلت في العمل كصحفية متعاونة، وصدر لي سنة 1992 مقالاتي الأول في الجريدة، وبعد سنوات ترسمت وترأست عدة أقسام مختلفة التخصصات.
أما عن الإعلام المسموع بإذاعة وهران، فقد أشرفت على إعداد وتقديم حصص أدبية وفكرية منها ” تاريخ علماء الجزائر”و”أوراق أدبية”، وآخرها حصة “بصمات” التي كانت تسلط الضوء على علماء الجزائر وتراثها التاريخي وشهداء ثورة التحرير المجيدة.
من أهم الجوائز والتكريمات، التي تشرفت بنيلها خلال مساري الأدبي والإعلامي والبحث التاريخي هي جائزة أول نوفمبر 1954، في صنف البحث التاريخي دورة 25 لعام 2020، من تنظيم وزارة المجاهدين وذوي الحقوق، إلى جانب تكريمي بوسام الملتقى الدولي لأصدقاء الثورة الجزائرية، تحت إشراف وزارة المجاهدين وذوي الحقوق في ماي 2022، وعدة جوائز أخرىوآخرها كان جائزة التمييزالثقافي في فئة الذاكرة الوطنية تحت الرعاية لوزارة الثقافة لعام 2024 وغيرها من الإنجازات الأخرى.
حاورتها:ميمي قلان



