-
اقتناء مــسـتـلـزمـات الــمـطـبـخ…تــجـديـد ديـكـور الـمـنـزل وتـنـظـيـف الـمـسـاجـد
تـشـهـد أسواق ولاية تلمسان، في أواخر أيام شهر شعـبان الجاري، حركة تجارية دؤوبة، بالنظر إلى الإقبال الكبير للنساء على اقتناء لوازم جديدة للمطبخ والبيت بصفة عامة، قصد تجديد ديكوره، كتقليد يتجدد سنويا لاستقبال شهر رمضان الفضيل بحلة جديدة، حيث هناك من يجد في رمضان فرصة مناسبة لتغيير مختلف فضاءات المنازل من الداخل والخارج، وفرصة لتجديد تجهيزات المطبخ، وتبديل ديكور غرف الاستقبال بإعادة طلائها وتغيير ستائرها.
ومن بين التحضيرات الأولية التي تسبق هذه المناسبة، تعـديل ديكور المنزل من خلال عملية الطلاء، وإحداث بعض التغيرات لإضفاء عليه حلة جديدة، مع عناية أكبر للمطبخ الذي يأخذ حيز كبير من اهتمام المرأة، باعـتباره الركن المميز لها في هذا الشهر الفضيل، فهي تمضي فيه غالبية أوقاتها. فضلا، عن شراء الأواني،والبحث في الأسواق عما يمكن اقتناءه وتجهيزه وحفظه داخل الثلاجة من خضر وفواكه ومختلف اللوازم، والحاجيات التي تخص هذا الشهر الفضيل، الذي أصبح يقترن بموسم الصيف، مما جعله يحمل العديد من المتغيرات وتحضيرات كثيرة دأبت عليها العائلات الجزائرية في كل موسم رمضان.
وفي هذا الإطار، تقول إحدى السيدات، أنها في كل عام تحرص على بداية التحضيرات قبل شهر تقريبا، بالنظر إلى الأشغال الكبيرة التي تقوم بها بحكم أن لها عائلة كبيرة، ولا يسعها الوقت لتحضير كل الأمور في ظرف وجيز، كما أن الكثير من العائلات تحرص على شراء أواني جديدة.
وتبدأ النسوة في التحضيرات، من خلال القيام بأعمال التنظيف المعمقة. فتبدأ في تنظيف كل الغرف بدقة والمطبخ من أجل بسط كل المفروشات الخاصة، وشراء أغطية لطاولة الأكل وشراشفومناشف جديدة وستائر بألوان زاهية وجميلة، وأواني خاصة بالمطبخ من أطقم للعصير والقهوة والشاي، وكذلك طقم جديد مخصص للشوربة وإكسسواراتمتخصصة في تعليق الأواني والمناشف والملاعق وصينيات مختلفة الأحجام والأشكال.
ولكن هناك بعض العائلات تفضل القيام ببعض الترميمات، وكـذا الطلاء وتغير أثاث المنزل في كل موسم رمضان، وهذا تبركا بالشهر الفضيل وترحيبا بالضيف العزيز على قلوب كل المسلمين. إذ تقول إحدى السيدة في العقـد السادس من عمرها، أنها في كل عام تشتري أواني جديدة كلية وتستعمل كل شيء جديد في رمضان، إلا أنها تقول ولظروف خاصة، هذا العام ستشتري فقط بعض الصحون والقدور حتى لا تقطع هذه العادة، التي أخذتها عن والدتها.
فيما تفضل بعض العائلات، القيام بأعمال التنظيف المعمقة لأسقف والترميمات وكذا طلاء جدران المنزل، وتزين المطبخ والغرف وأحيانا إعادة تغيير الديكور، لإضفاء عليه حلة جديدة، تحسبا لاستقبال الضيوف في السهرات والقعـدات الرمضانية.

الأواني التقليدية تصنع نكهة وجبات الإفطار التلمسانية
يمثل اقتناء الأواني المنزلية التقليدية خلال شهر رمضان، ولاسيما تلك المصنوعةمن المواد الترابية والطينية بولاية تلمسان تظاهرة مميزة لدى التلمسانيين، لما يمثله ذلك من عادة أصبحت هذه العائلات تتكيف معها مع حلول كل شهر فضيل، وحتى بعض الأنواع النحاسية خلال هذا الشهر الذييعرف انتعاشا ملحوظا ورواجا في المبيعات، يمتد من شهر شعبان إلى غاية الأيام الأولى من رمضان.
الزيانيات يتفنـن في صناعة هذه الأواني، التي تختلف أشكالها من منطقة لأخرى، التي تتشكل فقط من مواد طبيعية بسيطة خالصة، ويشكل بذلك المزيج المختلط بين التراب والماء وبعض القطع القليلة من النباتات المكون الرئيسي لإنجازها، وتوكل مهمة إنجازها للنساء والفتيات، حيث تشرف على هذا النوع من الأواني فقط أناملهن وإبداعاتهن واللائي توارثناها أم عن جد، ويبدعن فيها إلى أقصى الحدود فنيا وتقنيا، رغم أنهن لا يحزن على تحصيل علمي ولا على مؤهلات في تكوين الصناعات الخزفية، وبذلك يفتحن ورشات في بيوتهن المتواجدة في قمم الجبال والمداشر.
كما هو الحال بقرى واد الشولي وبيدر وعين يسر، ويصنعن أصنافا عدة منها وتأتي ما يسمى بالغرفية، التي توضع فيها وجبة الحساء في مقدمات المنتوجات وأيضا طاجين صناعة الخبز التقليدي والقدر بأنواعه، إلى درجة أن هناك ما هو مخصص للشربة أو الحريرة وما هو مخصص لباقي الأطباق، وما يزيد في أهميتها أيضا، أنها لا تتواجد في كل الأماكن، ممّا يعطيها طابعا خاصا شبيه إلى حد كبير بالندرة والأواني ذات القيمة الفنية والمالية الهامة.
الجلوس على الأرض تقليد متوارث
استعمال ذات الأواني التقليدية يرمز إلى التراث والعادات والتقاليد، ومن ثم ضرورة المحافظة عليها، خاصة وأن العديد من العائلات لا تجتمع على مائدة الغداء أو العشاء خلال الأيام العادية، والعكس خلال أيام رمضان، حيث تكون مائدة الإفطار محاطة بأفرادها كبيرا وصغيرا، وعادة ما تختار العائلة التلمسانية الصيغة التقليدية لذلك من خلال الجلوس على الأرض وعلى الأفرشة، بدل الكراسي، وتقديم الوجبات على مائدة بدل الطاولة، وحتى الألبسة تكون تقليدية.
ولن يزيد المنظر جمالا، إلا من خلال هذه الأواني التقليدية، خاصة القـدر والطاجين والإناء،وما يعرف بالغرفيات، وبعض اللوازم الأخرى الحاضرة في موائد العائلات. ومع انقضاء أيام الشهر الكريم، فإن العائلات تضع هذه الأواني في أماكن محددة لأجل الزينة والعرض،لأنها تتميّز بأشكال تجلب النظر وتلفت الانتباه، وتسحر العقول في إبداعات إنجازها، ومع ذلك، بات الحفاظ على هذه الصناعات التقليدية كـتراث مادي ولا مادي، أمرا ضروريا للغاية للحفاظ على هوية سكان تلمسان ونواحيها.

حفّاظ قرآن يراجعون، بيوت الله تتزينوالتحضيرات بمختلف المساجد متواصلة
تعـوّد التلمسانيون حسب عاداتهم وتقاليدهم وفطرتهم، التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، في بدء التحضير لشهر رمضان المبارك بدء من شعبان، الذي يعد شهرا للقراء وحفظة كتاب الله، وذلك بما أثر عن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، فما تشهده الزوايا في مختلف الولاية من حركة واسعة، والتي تتحول على إثرها إلى خلايا نحل نظرا للعدد الهائل من حفظة كتاب الله، الذين يرتادونها من مختلف الولايات قصد المراجعة والحصول على الإجازات في تجويد القرآن وترتيله والحصول على التزكيات قصد استعمالها في الحصول على الرخص.
وهذا ما حدثنا عنه أحد الطلبة الوافدين إلى إحدى الزاويا “الطالب أحمد”، الذي قال بأنه حضر إلى الزاوية قصد مراجعة القرآن الكريم والتحضير لصلاة التراويح، والتي يعتبرها فرصة ثمينة لاتعوض، بحكم أنه طالب جامعي بكلية طب الحقوق بجامعة “أبي بكر بلقايد” بتلمسان.
ومن هناك تبدأ رحلة بحثهم عن المسجد الذي يأمّون فيه الناس لصلاة التراويح، كما أفادت مصادر مطلعة، على ما يجري من تحضيرات لهذا الشهر الفضيل في مختلف ربوع الوطن، أن الكثير من أئمة المساجد ومفتشي التعليم القرآني عبر مختلف المقاطعات يقصدون الزوايا، وكتاتيب تحفيظ القرآن الكريم قصد الظفر بالحافظ حفظا متقنا أوكما يسمونه في مصطلحاتهم من يحفظ القرآن الكريم “حبا متراكما” من (آلم ذلك الكتاب لاريب فيه) إلى (قل أعوذ برب الفلق)…
للإشارة، فإن طلبة الزوايا يتحدّون بعضهم بعضا فيمن يحسن القراءة ومن تقل هفواته، وذلك بتسجيل عدد الهفوات من أخطاء، وفي بعض الأحيان تشتد المنافسة حتى تبلغ أوجها، فيحسبون على بعضهم بعضا اللحن في الأحكام، وعلى أساسها يمكن القول بأن تحضيرات شعبان والجدية فيها، هي التي تمكنهم من اجتياز الامتحان، امتحان التراويح الذي يكرم فيه المرء أو يهان، ثم يبحثون عن مسألة الصوت وحسن الأداء التي تعد هي الأخرى مظهرا للتنافس بين المساجد، ما المسجد الذي يحوي بداخله بلبلا يجلجل القرآن بصوت يقارب صوت داود عليه السلام، مما يجعل المصلين يتسابقون نحوه.
وما لاحظناه ونحن نجوب مختلف مساجد ولاية تلمسان، بأن بدء التحضيرات لهذا الشهر الفضيل في المساجد تنطلق بشهر على الأقل “شهر شعـبان”، أما العادة السارية في كل الفصول، فإنه يبدأ بتنظيف بيوت الله، وفرشها بالسجاد بمختلف ألوانه الباهية والزاهية، وتزينها بالأضواء المختلفة الألوان، وكذا رشّها بمختلف العطور الزكية، تعظيما لهذا الشهر الذي خصه العلي القدير على سائر الأشهر.
ومن هذا المنطلق إن صحّ التعبير،فإن مختلف مساجد الولاية التي وطأتها أقدامنا، وجدناها كلها تسعى حثيثة وبخطى رزينة استعدادا لهذا الشهر الفضيل، الذي يحتلّ مكانة خاصة في قلوب أبناء الأمة الإسلامية، خصوصا إذا عرفنا أن أئمة صلاة التراويح الذين تمنح لهم رخص إمامة الناس في هذا الشهر الفضيل يشترط فيهم القراءة برواية ورش عن نافع، هذه الرواية المشهورة والمعتمدة في بلادنا والتي تسهر وزارة الشؤون الدينية ومختلف الهيئات المنضوية تحت لوائها تأهيل حفظة كتاب الله وتدريبهم عليها.
إعداد:ع. أمــيــر



