الثـقــافــة

السيدة “عابد فاطمة” في محتوى وثائقي

قصة شارع... حين تحكي شوارع تيارت حكاية رمضان

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتبهت فيه الذاكرة الجماعية، يأتي محتوى “قصة شارع” كنافذةٍ هادئة تُطلّ على الماضي، وتعيد للمدينة صوتها، وللشارع روحه. هو عمل وثائقي، يأخذ المشاهد في رحلة عبر شوارع تيارت الحبيبة، المدينة التاريخية العريقة، لا لاكتشاف الحجر فقط، بل لاكتشاف الإنسان وعاداته وتقاليده، خاصة خلال شهر رمضان المبارك.

لا يكتفي “قصة شارع” بسرد الوقائع، بل يغوص في التفاصيل الصغيرة التي صنعت خصوصية رمضان في تيارت: طقوس الاستعداد للشهر الفضيل، لمّة الجيران، بساطة العيش، وروح التضامن التي كانت تميّز الحومة الواحدة. من تبييض البيوت بالجير، إلى تبادل الأطباق، ومن أصوات الأطفال في الأزقة، إلى سكون الشوارع قبيل أذان المغرب… كلها مشاهد تتحوّل في هذا العمل إلى ذاكرة حيّة تنبض بالصدق والحنين.

اللافت في هذا المحتوى الوثائقي، هو اعتماده على شهادات أهل المدينة أنفسهم، أولئك الذين عاشوا التفاصيل ويحكونها بعفوية ودفء، فيتحوّل الشارع إلى شاهد، والبيت إلى حكاية، ورمضان إلى رابطٍ اجتماعي قبل أن يكون شعيرة دينية. هنا، لا تُقدَّم تيارت كجغرافيا فقط، بل كهوية متكاملة تشكّلت عبر الزمن.

في العدد الأول من سلسلة “قصة شارع”، يعيد الإعلامي علي فارس فتح هذا الألبوم الاجتماعي، مستنطقًا الذاكرة الشعبية من قلب تيارت القديمة. عبر شهادة السيدة “فاطمة عابد”، نعود إلى زمن كانت فيه الأيدي تتكاتف، والأبواب مفتوحة، والضحكات تملأ الأزقة. رائحة الجير كانت علامة النظافة، لكنها أيضًا كانت وعدًا بفرحٍ قريب، وبشهر تُغسَل فيه القلوب قبل الجدران.

تكن العملية مجرّد صيانة منزلية، بل حدثًا اجتماعيًا بامتياز: الرجال يخلطون الجير، النساء ينسّقن التفاصيل، والأطفال يراقبون ـ وأحيانًا يشاركون ـ بحماس بريء. كل بيت يُبيَّض كان جزء من لوحة أكبر، لوحة حومة متماسكة تتقاسم الجهد والوقت والفرح.

تأتي هذه المبادرة الإعلامية، بإشراف وفكرة علي فارس، لتذكّر بأن الإعلام المحلي ليس نقل خبرٍ فقط، بل حفظ ذاكرة وإحياء قيم. وبرعاية جمعية “الأمير عبد القادر”، يكتسب المشروع بعدًا ثقافيًا يربط الماضي بالحاضر، ويمنح للأجيال الجديدة فرصة التعرّف على طقوس صنعت هوية المكان والناس.

اليوم، ومع تغيّر أنماط العيش وتسارع الإيقاع، تراجعت هذه العادة في كثير من الأحياء. غير أن السؤال الذي تطرحه “قصة شارع” يبقى مفتوحًا: “قصة شارع” هو أكثر من مجرد توثيق بصري؛ إنه مشروع ذاكرة. ومحاولة جادة لربط الأجيال الجديدة بجذورها، وتعريفها بقيمٍ كانت ـ ولا تزال ـ أساس التماسك الاجتماعي: التعاون، الاحترام والتكافل. كما يبرز الدور الحقيقي للإعلام المحلي حين ينحاز للإنسان، ويجعل من القصص البسيطة مادةً راقية تحمل معنى ورسالة.

اليوم، ومع تغيّر أنماط العيش وتسارع الإيقاع، تراجعت هذه العادة في كثير من الأحياء. غير أن السؤال الذي تطرحه “قصة شارع” يبقى مفتوحًا: ربما لا كما كان، لكن استعادته ـ ولو رمزيًا ـ قد تعيد شيئًا من دفء الجيرة، وتذكّرنا بأن رمضان يبدأ من الشارع، من التعاون، ومن قلب الحومة.

قصة شارع ليست حنينًا فقط، بل دعوة لإعادة الاعتبار لقيمٍ صنعت مجتمعًا متراحمًا. فهل نسمح للجير أن يعود… ولو مرة؟ ويجيب بطريقته الخاصة: ما دامت الذاكرة حاضرة، وما دام هناك من يوثّق ويحكي، فإن روح تيارت ورمضانها الأصيل ستبقى حيّة، تنتظر فقط من يصغي إليها. ليطرح هذا العمل سؤالا عميقا دون مباشرة: ماذا بقي من تلك العادات؟ وهل ما زالت شوارعنا قادرة على رواية حكاياتها؟

ج.غزالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى