
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، وما تفرضه وسائل الاتصال الحديثة، من أنماط جديدة في تلقي المعرفة واستهلاك المحتوى، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مبادرات ثقافية، قادرة على إعادة الاعتبار للقراءة باعتبارها مدخلًا أساسيًا لبناء الوعي الفردي والجماعي.
ومن هذا المنطلق، جاءت الطبعة الـ3 من المهرجان الثقافي المحلي “قراءة في احتفال” بولاية المنيعة، لتؤكد أن الاستثمار في الثقافة لم يعد خيارًا ترفيًا أو نشاطًا موسميًا، بل أصبح رهانًا استراتيجيًا لصناعة الإنسان وتنمية قدراته الفكرية والإبداعية.
وأسدل الستار بالمركز الثقافي بحاسي القارة، على فعاليات هذه التظاهرة التي نظمتها مكتبة المطالعة العمومية لولاية المنيعة ضمن برنامج “7×7 ثقافتي”، بعد أسبوع كامل من الأنشطة المتنوعة التي جمعت بين المطالعة، الفنون، العروض الترفيهية والورشات التكوينية، في تجربة ثقافية هدفت إلى تقريب الكتاب من مختلف فئات المجتمع، خاصة الأطفال والناشئة.
ولعل أبرز ما ميز هذه الطبعة، هو نجاحها في تجاوز المفهوم التقليدي للأنشطة الثقافية، من خلال تقديم نموذج متكامل يجعل من الثقافة فضاءً للتفاعل المجتمعي وليس مجرد حدث مناسباتي محدود الزمن. فقد استطاعت التظاهرة، أن تخلق حركية ثقافية لافتة داخل المنطقة، مستقطبة العائلات والجمعيات والمهتمين بالشأن الثقافي، في صورة تعكس تنامي الوعي بأهمية الثقافة كعنصر أساسي في التنمية المحلية.
وفي الجانب الفني، قدم الفنان المسرحي أحمد دويدة عرضًا مسرحيًا استطاع من خلاله أن يجمع بين المتعة والرسالة، مؤكدًا مرة أخرى الدور الذي يمكن أن تلعبه الفنون في ترسيخ القيم التربوية والإنسانية، لدى الأجيال الصاعدة. كما نجح المهرج “نسوري عز الدين”، في خلق أجواء من البهجة والتفاعل، خاصة بين الأطفال الذين وجدوا في هذه الفقرات مساحة للمرح والتعبير والتواصل.
ولم تقتصر التظاهرة على الجانب الترفيهي فحسب، بل حملت أيضًا أبعادًا ثقافية وإنسانية عميقة. فقد قدمت جمعية الفتح الثقافية أنشودة معبرة عن معاناة وصمود الشعب الفلسطيني، في رسالة، أكدت أن الثقافة ليست معزولة عن قضايا الإنسان وهمومه، بل تمثل أحد أهم أدوات التعبير عن التضامن الإنساني ونشر قيم العدالة والسلام. كما ساهمت جمعية “اقرأ” بمجموعة من الأناشيد الهادفة التي مزجت بين التربية والترفيه، بينما عززت جمعية الأمل للنشاطات الثقافية والترفيهية حضورها من خلال فقرات متنوعة أثرت برنامج الاختتام، وأبرزت حيوية العمل الجمعوي في المنطقة.
كما سلطت التظاهرة الضوء على أهمية الشراكة بين المؤسسات الثقافية، الجمعيات والفاعلين المحليين في إنجاح المشاريع الثقافية. فالثقافة اليوم لم تعد مسؤولية جهة واحدة، بل أصبحت مشروعًا جماعيًا تتداخل فيه الأدوار بين مختلف الشركاء. وقد تجسد ذلك، من خلال تكريم الجمعيات المشاركة، والشخصيات التي ساهمت في إنجاح التظاهرة، ومن بينهم “وريدة غريب” تقديرًا لدعمها ومرافقتها للأنشطة الثقافية، و”يمينة بكاي” ممثلة المركب الرياضي نظير مساهمتها في توفير الظروف الملائمة لإنجاح الفعاليات، إضافة إلى الفنان “أحمد دويدة”، الذي كان أحد أبرز الوجوه الفنية المشاركة في هذه الطبعة.
الهوصاوي لحسن



