
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، باتت الرقمنة واقعًا لا يمكن تجاهله، حيث أعادت تشكيل مختلف مناحي الحياة، خاصة في المجال الاقتصادي والتجاري. وفي هذا السياق، برزت إشكالية حماية المستهلك كأحد أهم التحديات التي فرضتها البيئة الرقمية، وهو ما تناولته الطالبة “بوبشير فاطمة الزهراء صافية”، في مذكرة تخرجها لنيل شهادة الماستر تخصص قانون الأعمال، الموسومة بـ”حماية المستهلك في عصر الرقمنة ضمن أحكام القانون الجزائري”، تحت إشراف الأستاذ الدكتور “مقدم توفيق”.
وقد نوقشت هذه المذكرة أمام لجنة علمية مكونة من الأستاذ “طيب إبراهيم ويس” رئيسًا، والأستاذ “مقدم توفيق” مشرفًا، إلى جانب الأستاذ “زوقار عبد القادر” كمناقش، حيث شكلت الدراسة إضافة نوعية في مجال البحث القانوني المرتبط بالتحولات الرقمية.
وتنطلق الدراسة، من واقع أن الثورة الرقمية، أحدثت تغييرات جذرية في طبيعة المعاملات اليومية، إذ أصبح الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة والأنظمة الرقمية سمة أساسية في تسيير مختلف الأنشطة، ما أدى إلى ظهور بيئة افتراضية ألغت القيود المكانية والزمانية، وساهمت في انتشار التجارة الإلكترونية بشكل واسع، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.
غير أن هذا التطور، ورغم ما يحمله من مزايا، أفرز في المقابل مجموعة من التحديات التي مست المستهلك بشكل مباشر، حيث أصبح طرفًا في علاقات تعاقدية غير تقليدية تتم عبر وسائط إلكترونية دون حضور مادي، وهو ما يضعف من قدرته على التحقق من طبيعة المنتجات أو الخدمات، ويحد من إمكانية التفاوض أو حتى فهم شروط التعاقد بشكل دقيق.
كما أبرزت المذكرة، أن المستهلك في البيئة الرقمية أصبح عرضة لعدة ممارسات غير مشروعة، من بينها الإعلانات المضللة، الغش التجاري والاحتيال الإلكتروني، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بانتهاك البيانات الشخصية وسوء استغلالها، وهو ما يستدعي تدخلًا قانونيًا فعالًا لمواجهة هذه التحديات.
وفي هذا الإطار، تؤكد الدراسة على ضرورة إعادة النظر في القواعد القانونية التقليدية، وتكييفها بما يتلاءم مع خصوصيات البيئة الرقمية، من خلال إرساء منظومة قانونية متكاملة تهدف إلى ضمان حماية المستهلك الرقمي وتعزيز أمن المعاملات الإلكترونية.
كما أشارت الطالبة، إلى أن الجزائر سعت إلى مواكبة هذه التحولات من خلال سن مجموعة من النصوص القانونية التي تعنى بحماية المستهلك وتنظيم التجارة الإلكترونية، إلى جانب العمل على تعزيز الوعي الرقمي لدى الأفراد، باعتباره عنصرًا أساسيًا في تحقيق حماية فعالة وشاملة.
وتخلص المذكرة، إلى أن تحقيق التوازن بين تطور التكنولوجيا وحماية حقوق المستهلك يظل رهينًا بمدى فعالية التشريعات، وتكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين، من سلطات عمومية وهيئات رقابية ومؤسسات اقتصادية، فضلًا عن وعي المستهلك نفسه بحقوقه وواجباته في الفضاء الرقمي.
تشكل هذه الدراسة، لبنة علمية مهمة في فهم إشكالية حماية المستهلك في عصر الرقمنة، وتفتح المجال أمام مزيد من البحث والتطوير القانوني لمواكبة التحولات المتسارعة، بما يضمن بيئة رقمية آمنة وعادلة، تعزز الثقة في المعاملات الإلكترونية وتكرّس حماية حقيقية للمستهلك في الجزائر.
فتحي مبسوط



