
ضمن سلسلة الحوارات العلمية التي نفتحها مع نخبة من الأكاديميين والباحثين الجامعيين، يسلّط الدكتور “كريم الشيخ بلال”، أستاذ القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة “جيلالي ليابس” بسيدي بلعباس، الضوء على مقياس قانون الصحة، الذي يدرّسه لطلبة الحقوق، مؤكدًا أن الصحة لم تعد مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبحت حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان وركيزة محورية لتحقيق التنمية المستدامة، إذ لا يمكن تصور تنمية حقيقية، دون إنسان سليم جسديًا، نفسيًا وعقليًا، باعتباره الوسيلة والغاية في آن واحد.
ويبرز الأستاذ في هذا الحوار، أن الاهتمام العالمي بالصحة تطوّر بشكل لافت، حيث أدرجت القضايا الصحية ضمن أولويات الهيئات الدولية الكبرى، مثل مجلس الأمن، المنتدى الاقتصادي العالمي، منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، بعدما ثبت أن تحسين الوضع الصحي، يشكل مدخلًا لتحقيق باقي الأهداف التنموية، كما أنه هدف قائم بذاته.
وفي السياق ذاته، يوضح أن الدولة، باعتبارها الإطار المنظم للمجتمع، تتحمل مسؤولية توفير الرعاية الصحية من خلال أنظمة صحية متكاملة، نشأت تاريخيًا لمواجهة التحديات والأزمات، خاصة مع توالي الأوبئة وظهور الفيروسات التي تهدد الوجود الإنساني، وهو ما جعل هذه الأنظمة تطور آلياتها واستراتيجياتها في إدارة الأزمات الصحية.
وعن التجربة الجزائرية، يشير الدكتور “كريم الشيخ بلال” إلى أن الجزائر قطعت أشواطًا معتبرة في تطوير قطاع الصحة منذ الاستقلال، رغم الإرث الثقيل الذي خلفه الاستعمار من تدهور صحي وانتشار للأوبئة، حيث كان التحدي الأول يتمثل في الحد من الأمراض والقضاء عليها عبر مجانية العلاج وتوفير
اللقاحات، وهو ما تجسد خصوصًا خلال مرحلتي الستينات والسبعينات، من خلال تعميم الرعاية الصحية الأولية وإنشاء المراكز الصحية، رغم تسجيل تفاوت في التغطية بين المدن والمناطق الريفية، وهو الخلل الذي عملت الدولة على تداركه في السنوات الأخيرة، عبر سياسات صحية أكثر توازنًا.
ويؤكد الأستاذ، أن النظام الصحي الجزائري، كغيره من الأنظمة، عرف تطورًا تدريجيًا ومرّ بمحطات مفصلية فرضتها التحولات الصحية العالمية، ما استدعى تبني استراتيجيات متجددة، قائمة على خطط وبرامج وتدابير دقيقة لمواجهة الأزمات، وهو ما يجعل من مقياس قانون الصحة مادة أساسية لفهم الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم هذا القطاع الحيوي، ويؤهل الطلبة لاستيعاب التداخل بين القانون والصحة، كحقل استراتيجي يخدم الإنسان والتنمية في آن واحد.
فتحي مبسوط



