
تزخر ولاية تيسمسيلت، الواقعة في قلب منطقة الونشريس، بتراث فني وشعبي متنوع يعكس عمق الامتداد الحضاري لسكانها وتقاليدهم المتوارثة عبر القرون.
ومن بين الفنون التي لا تزال صامدة رغم التحولات الاجتماعية والثقافية، يبرز فن “المربوع”، أحد أهم التعبيرات الجماعية التي يجتمع فيها الكلام المنظوم والإيقاع الشعبي والأداء الجماعي في المناسبات والأفراح ومواسم العمل.
هذا الفن، الذي يعرف أيضا بتسميات محلية مثل (الرباعة والسروجي وزوج بزوج)، لم يتوقف عن أداء دوره الاجتماعي والوجداني في حياة سكان تيسمسيلت، إذ ظل وسيلة للترويح والتخفيف من مشاق العمل، ومتنفسا جماعيا يعكس الحكمة الشعبية والذائقة الأدبية للمنطقة.
“المربوع” فن يعكس هوية الونشريس
يعتبر “المربوع “من أقدم الفنون الشعبية التي نشأت في منطقة الونشريس، وقد ولد في سياق اجتماعي بسيط، بعيد عن التكلف، حيث كان الناس يبتكرون طرقا للترويح أثناء العمل الشاق أو في المناسبات الكبرى.
وبمرور السنين، تحول إلى فن منظم قائم على قواعد واضحة، يجمع بين الشعر الشعبي والإيقاع الصوتي الجماعي، ورغم عدم توفر وثائق مكتوبة تحدد تاريخ نشأته بدقة، فإن انتقاله عبر الأجيال يثبت أنه فن ضارب في القدم، انتقل شفويا من جيل لآخر، حتى أصبح أحد أبرز الرموز الفنية التي تعرف بها ولاية تيسمسيلت اليوم.
الفن الذي توارثته الأجيال
لم يكن “المربوع” مجرد ممارسة غنائية عابرة، بل تحول إلى تقليد عائلي واجتماعي راسخ، تمسكت به الأسر وحافظت عليه مثل باقي طقوس الذاكرة الجماعية، فقد تناقلته الجدات والأمهات والآباء والشيوخ عبر الزمن، ليظل جزء من البناء الثقافي المحلي. وتشير الذاكرة الشعبية، إلى أن هذا الفن كان حاضرا في جميع مراحل حياة السكان، من العمل في الحقول إلى الأعراس، ومن جلسات السمر إلى مواسم التعاون والتويزة.
“المربوع” بين التسمية والدلالة
يحمل “المربوع” عدة أسماء محلية، تختلف حسب الدوار أو المنطقة، لكنها تشير إلى النمط نفسه من بين أشهرها (الرباعة، السروجي، زوج بزوج)، تعكس هذه التسميات اتساع انتشار هذا الفن وتنوع أشكاله، لكنها تشترك في جوهر الأداء الذي يعتمد على 4 أشخاص، وعلى نظام صوتي محدد قائم على التنغيم والترددات المتوازنة.
وبخصوص الاسم الأكثر شيوعا، فإن “المربوع” يرتبط برقم 4، سواء من حيث عدد المؤدين أو بنية الأداء التي تتوزع على مجموعتين، 2 يلقيان و2 يرددان، هذا التوازن بين الأصوات يمنح الفن إيقاعا فريدا ونغمة متناغمة تجعله مميزا مقارنة بباقي الفنون الشعبية الجزائرية.
وفيما يتعلق بخصائصه الفنية، فهو أداء جماعي يقوم على 4 أشخاص، تقوم بنية المربوع على مبدأ ثابت الأداء الرباعي، حيث يتوزع المشاركون إلى ثلاثي أول: اثنان يلقيان النصوص الشعرية أو الأهازيج، الثنائي الثاني: 2 يرددان خلفهما بنفس الإيقاع، هذا الأسلوب يخلق توازنا صوتيا يضفي على “المربوع” روحا جماعية قوية، تجعل المستمع يعيش حالة تفاعل كبير مع الأداء.
وزن بلا قافية، خصوصية الشعر المنظوم
من الخصوصيات المهمة لهذا الفن، أنه يعتمد على الكلام المنظوم المرتبط بالوزن دون ضرورة التقيد بالقافية، فالشعر الشعبي المستعمل في “المربوع” يتسم بـ: البساطة اللغوية، الغنى الدلالي، العفوية في التعبير والقدرة على تصوير مشاهد الحياة اليومية. هذا النمط من الشعر، يعكس فلسفة الفنان الشعبي الذي يركز على المعنى والإيقاع أكثر من التركيب اللفظي المتكلف.
الإيقاع العالي قلب “المربوع” النابض
الإيقاع هو العنصر المركزي الذي يحدد هوية المربوع، ويتميّز بـ: سرعة الأداء، تكرار النغمة، ارتفاع الصوت، قوة الترديد الجماعي، هذا الإيقاع لم يكن مجرد عنصر فني، بل كان وسيلة للرفع من معنويات العمال في الحقول، وباعثا على النشاط والحركة في الأعراس وطقوس الفرح.
وظائف “المربوع” في المجتمع التيسمسيلتي
نشأ “المربوع” أساسا كوسيلة للتخفيف عن النفس وسط الحياة الريفية المليئة بالعمل الشاق، فقد كان يصاحب النساء أثناء الأشغال اليومية أو الأفراح، يرافق الرجال في الليالي والمناسبات، يرتبط بمواسم الزرع والحصاد، هذه الوظيفة جعلت “المربوع” أكثر من مجرد غناء بل متنفسا جماعيا يخفف التوتر ويقوي الترابط بين الأفراد.
ويغنى “المربوع” في عدد كبير من المناسبات، من بينها الأعراس والأفراح، حيث يشكل جزء رئيسيا من طقوس الاحتفال، تغنيه النساء نهارا والرجال ليلا. كان الرعاة يلجؤون إلى هذا الفن للتسلية، وكسر عزلة البراري، وفي أجواء التعاون الجماعي، كان “المربوع “حافزا يرفع الهمم، وفي مواسم الحرث والبذر والحصاد، يلعب دورا محفزا يبعث النشاط في نفوس العمال، كذلك أداة تواصل اجتماعي، بحيث كان فن “المربوع” منصة لنقل القيم والعادات والأفكار، بما يحتويه من رسائل اجتماعية وإنسانية، فهو يوثق، قصص الحب والألفة، الحكمة الشعبية، هموم الحياة اليومية، المواقف الأخلاقية، المناسبات الدينية، بهذا يصبح “المربوع ” ذاكرة شفوية تحفظ تجارب مجتمع كامل.
“المربوع” من التسلية إلى الرسالة
مع مرور الزمن، تحول “المربوع” إلى فن يحمل العديد من المعاني، حيث أصبحت نصوصه تعالج، العلاقات العائلية، قيم التضامن، رسائل الوعظ والإرشاد، مظاهر الفخر والانتماء، أوصاف الطبيعة والريف.
هذا المحتوى، جعل “المربوع “وثيقة ثقافية مهمة لفهم المجتمع التيسمسيلتي، ولم يكن “المربوع” ممتنعا عن تناول المواضيع الدينية، فقد تضمن الحكمة المستمدة من التراث الديني، الدعوة إلى مكارم الأخلاق، التذكير بالصبر والرضا، التعبير عن مكانة المناسبات الدينية، وهنا يظهر الجانب الروحي لهذا الفن الشعبي.
المرأة والرجل في أداء “المربوع”
تعتبر المرأة ركيزة أساسية في استمرار هذا الفن، إذ كانت تغنيه في الأفراح نهارا، تمارسه داخل البيت أو الحوش، تنقله إلى بناتها وأخواتها، كما أصبح “المربوع “جزء من الطقوس النسوية التي ترافق المناسبات العائلية.
أما بالنسبة للرجل، يؤدي “المربوع” غالبا ليلا في الأعراس، وفي جلسات السمر، وأثناء الرعي أو الفلاحة، ومع توالي الأجيال، ظل الرجال حماة هذا الفن، يحافظون على إيقاعه وسياقه الأصلي.
الإيقاع والشعر الشعبي لغة الوجدان التيسمسيلتي
الشعر المستخدم في “المربوع” يتسم بالبساطة والواقعية، بالتعبير المباشر، بالحكمة المتوارثة، بالصور المستوحاة من البيئة الريفية. هذه الخصائص، جعلته قريبا من المستمع، ومعبرا بصدق عن حياة الناس، ومع الأداء الجماعي، يتحول الإيقاع إلى لحظة وحدة وانسجام بين المشاركين.
“المربوع” تراث حي يحتاج إلى صون
على الرغم من التحولات الاجتماعية والاقتصادية الحديثة، لا يزال “المربوع “حاضرا في الأعراس التقليدية، الاحتفالات العائلية، بعض المناسبات الرسمية، النشاطات الثقافية، لكن انتشار الأنماط الموسيقية الحديثة بدأ يقلل من مساحة ظهوره.
ويعتبر “المربوع” اليوم، تراثا غير مادي يستحق الجمع والتوثيق، التسجيل الصوتي والفيديو، إدراجه في المهرجانات، إدماجه في المدارس الفنية والبحثية، فهو جزء من الذاكرة الفنية الجزائرية، التي يجب ألا تترك عرضة للاندثار. وفي الأخير، ما يمكن قوله أن فن “المربوع” ليس مجرد غناء شعبي بل هو مرآة للروح التيسمسيلتية، يجمع بين الإيقاع القوي والشعر الشعبي العفوي، ويحمل في ثناياه حكاية مجتمع عاش على التضامن والفرح والعمل الجماعي.
وبفضل دوره الفني والاجتماعي والدلالي، ظل “المربوع” شاهدا على أصالة منطقة الونشريس وتراثها العريق الذي يستحق المحافظة عليه وتعريف الأجيال الجديدة به، باعتباره أحد أهم الفنون الشعبية التي صنعت ذاكرة سكان تيسمسيلت عبر الزمن.



