الثـقــافــة

بريق الفضة والهوية

 حلي "آث يني" تتحدى الزمن وتصوغ ذاكرة الجزائر الثقافية

في أعالي جبال جرجرة الشامخة، حيث تلتف الغيوم حول قمم تيزي وزو، لا تزال ورشات صناعة الحلي التقليدية في منطقة آث يني تنبض بالحياة، حاملة أصداء حرفة عريقة تمتد جذورها إلى مئات السنين.

وهذه الحلي الفضية، المرصعة بالمرجان والمزينة بالمينا الملونة، ليست مجرد أدوات للزينة، بل هي بمثابة وثائق بصرية تروي تاريخاً طويلاً من الأصالة والارتباط الوثيق بالأرض.

تتميز حلي آث يني بهوية بصرية فريدة، تجعلها سهلة التمييز عن باقي الصناعات التقليدية، وذلك بفضل التناغم الدقيق بين 3 عناصر أساسية. فالفضة الخالصة، تشكل قاعدة الحلية، ويتم تشكيلها يدوياً بدقة متناهية عبر تقنيات الفتيل والحبيبات. أما المرجان الأحمر الطبيعي، فيمثل عصب الحلية، إلى جانب المينا الملونة التي تضيف اللمسة الأكثر فرادة، حيث تُملأ الفراغات بمادة زجاجية ملونة، تشكل زخارف هندسية متناسقة تعكس البراعة الحرفية للصائغين.

في الثقافة الأمازيغية، تحمل العديد من قطع حلي آث يني دلالات اجتماعية مرتبطة بمناسبات ومراحل من حياة المرأة، فلا تُرتدى كل الحلي في كل الأوقات، بل يخضع ذلك لطقوس وعادات متوارثة. ومن أبرز هذه القطع “الخلال”، وهو بروش دائري كبير الحجم مرصع بكثافة بالمرجان يوضع في وسط الصدر، ويحظى بمكانة خاصة في الزينة التقليدية للمرأة القبائلية. إلى جانبه، تحضر الأساور العريضة والأقراط المتدلية والعصابات، التي تزين الجبين في المناسبات الكبرى كالأعراس والاحتفالات التقليدية.

 

بين ندرة المواد وشغف الاستمرارية

رغم القيمة الثقافية والاقتصادية الكبيرة لهذه الحرفة، يواجه حرفيو آث يني اليوم تحديات هيكلية تهدد استمراريتها، أبرزها الارتفاع الحاد في أسعار المرجان والفضة في الأسواق العالمية، إضافة إلى صعوبة الحصول على المواد الأولية للمينا، وصعوبة تسويق المنتج خارج الحدود بالطرق التقليدية.

ومع ذلك، يشهد قطاع الحلي في المنطقة ديناميكية جديدة، بفضل إصرار الجيل الجديد من الحرفيين والحرفيات، على إدخال عصرنة مرنة على التصاميم، بما يلائم الأذواق الحالية، دون المساس بأصالة القطعة، مستفيدين من منصات التواصل الاجتماعي لفتح نوافذ تسويقية مباشرة، نحو التعريف بهذا التراث على نطاق واسع.

يبقى عيد حلي آث يني، الذي ينظم سنوياً في المنطقة، من أهم المواعيد الثقافية والسياحية في الجزائر، فهو ليس مجرد معرض تجاري، بل تظاهرة ثقافية تجمع الباحثين والسياح والحرفيين لإحياء تقاليد الأجداد، وللتأكيد على أن صناعة الفضة في منطقة الجرجرة، تمثل شريانا اقتصاديا وهوية وطنية، تتجدد مع كل جيل.

كمال.ح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى