الثـقــافــة

مسجد “ابن محمد المرزوق الكفيف” بمدينة تلمسان

تزخر مدينة تلمسان بعديد المعالم الدينية والتاريخية، التي تعكس مكانتها الحضارية والعلمية عبر مختلف الحقب، ويبرز من بينها مسجد “ابن محمد المرزوق الكفيف”، باعتباره أحد الفضاءات الروحية والعلمية التي ارتبطت بتاريخ المدينة العتيقة وحياة علمائها وفقهائها.

ويُرجّح أن يعود تشييد هذا المسجد، إلى الفترة الزيانية المتأخرة، خلال القرن التاسع الهجري الموافق للقرن 15 الميلادي، حيث ارتبط اسمه بالعالم والفقيه التلمساني “محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف”، الذي عاش بمدينة تلمسان وتوفي بها سنة 901 هـ الموافق لـ1495م، بعدما عُرف بعلمه وورعه ومكانته في الفقه والحديث رغم فقدانه للبصر، الأمر الذي جعله يُلقب بـ«الكفيف».

وينتمي الشيخ “محمد بن مرزوق” إلى أسرة علمية عريقة، عُرفت في تاريخ تلمسان بإنجاب كبار العلماء والخطباء والقضاة، ومن أبرزهم الخطيب “ابن مرزوق الحفيد”، ما جعل اسم العائلة مرتبطًا بالحركة العلمية والدينية التي شهدتها المدينة خلال العصر الزياني.

ويُعد المسجد شاهدًا على ازدهار الحياة العلمية والدينية بتلمسان، حيث لم تكن المساجد آنذاك مقتصرة على أداء الشعائر الدينية فقط، بل كانت فضاءات لتدريس الفقه المالكي والحديث واللغة، إلى جانب احتضان المجالس العلمية والمناظرات وتحفيظ القرآن الكريم، وهو ما يعكس الدور المحوري الذي لعبته المساجد والزوايا الصغيرة في نشر العلم وصيانة الهوية الدينية للمجتمع.

وعلى المستوى المعماري، يعكس مسجد “ابن محمد المرزوق الكفيف” الخصائص التقليدية للعمارة الإسلامية المحلية التي تميزت بها مساجد تلمسان، من خلال بساطة البناء واستعمال الأقواس المغاربية التقليدية، إضافة إلى الاعتماد على الجير والجص المحليين، مع فضاء صلاة صغير يتناسب وطبيعة أحياء المدينة العتيقة. كما تحمل هذه العمارة بصمات الفن الزياني والأندلسي الذي طبع معالم المدينة التاريخية.

وتكمن القيمة الحضارية لهذا المسجد في كونه جزء من الذاكرة الدينية والعلمية لتلمسان، إذ ظل اسم العالم الذي حمله المسجد حاضرًا في وجدان المدينة عبر الأجيال، في صورة تعكس مكانة العلماء في المجتمع التلمساني وارتباط المعالم الدينية بأهل العلم والمعرفة.

ويبقى مسجد “ابن محمد المرزوق الكفيف”، أحد الشواهد الحية على مرحلة ازدهرت فيها تلمسان بالعلم والعمران، حين كانت المساجد منارات للعبادة والعلم، وفضاءات لصناعة الوعي وحفظ الهوية الحضارية للمدينة العريقة.

بكاي عمر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى