
تعيش الجزائر هذه الأيام حدثا سياسيا بارزا، يتعلق بالانتخابات التشريعية، هاته الأخيرة التي تتسم بمرحلة مهمة تسمى “الحملة الانتخابية”، التي يجتهد فيها المترشحون وداعموهم سواء من الأسرة، الأحزاب السياسية التي ينتمون إليها أو القائمات الحرة، المعارف…. للتعريف بهم وببرامجهم الانتخابية.
وهذا الإطار، يسهر منشطو الحملات الانتخابية على إيصال برامج مرشحيهم إلى كل المواطنين من أجل إقناعهم بالتصويت لصالحهم لحصد مقاعد بالبرلمان (المجلس الشعبي الوطني)، حتى يتم تمثيل هؤلاء المصوتين وتقريب أصواتهم من الجهات المسؤولة، بتبني أفكارهم ورؤاهم، عن طريق تحويلها إلى مشاريع قوانين تجسد على أرض الواقع لصالح الوطن والمواطن.
وبالحديث عن الحملة الانتخابية، فقد تم ملاحظة رواج كبير للمترشحين وبرامجهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي وكذا اللوحات الاشهارية الكلاسيكية والحملات الانتخابية في الواقع، عبر التجمعات الشعبية والجوارية، ارتأت جريدة “البديل“، معرفة مدى اندماج الفضاء الرقمي في تعامل المجتمع الجزائري، في دردشة خفيفة مع كل من الدكتور “العربي بوعمامة”، أستاذ الاتصال السياسي بجامعة مستغانم والدكتور والمحامي “عبد الحكيم صايم”، أستاذ الفلسفة بجامعة وهران2:
الأستاذ “بوعمامة العربي”: “تنامي استخدام الوسائط الرقمية في الحملات الانتخابية يعد مؤشرًا على اتساع الرقمنة في المجال السياسي والإداري”
يرى الأستاذ “بوعمامة العربي”، أنه لا يمكن من الناحية العلمية الجزم بأن المجتمع الجزائري أصبح مجتمعًا رقميًا بالمعنى السوسيولوجي الكامل، لأن المجتمع الرقمي لا يُقاس فقط بكثافة استخدام المنصات الرقمية، وإنما بدرجة اندماج التكنولوجيا في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والإدارية والتعليمية والسياسية والثقافية.
وما أظهرته الحملة الانتخابية الأخيرة هو تنامي حضور الفضاء الرقمي بوصفه مجالًا رئيسيًا للتواصل السياسي وصناعة الرسائل الانتخابية وتداولها، أكثر من كونه دليلًا على اكتمال التحول الرقمي للمجتمع.
لقد أصبح الفضاء الرقمي اليوم جزءًا من البيئة الاتصالية الجزائرية، حيث تتداخل وسائل الإعلام التقليدية مع المنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام. غير أن هذا التحول لا يلغي استمرار الفوارق المرتبطة بالنفاذ إلى التكنولوجيا، ومستويات الثقافة الرقمية، واختلاف أنماط الاستخدام بين الفئات الاجتماعية والمجالات الجغرافية.
لذلك، فإن الوصف الأدق هو أن المجتمع الجزائري يعيش مرحلة انتقال متسارعة نحو الرقمنة، مع تزايد تأثير البيئة الرقمية في الحياة العامة، دون أن يعني ذلك اكتمال تشكل مجتمع رقمي بالمعنى المؤسسي الشامل.
وبخصوص المقارنة بين الفضاء الرقمي و الواقع الميلانين، فإن الدكتور “بوعمامة”، يعتبر أنه ينبغي أن تُفهم بوصفها علاقة تكامل لا علاقة إحلال. فالمنصات الرقمية لم تنجح لأنها عوضت الواقع، وإنما لأنها أعادت تشكيل آليات الاتصال السياسي بما يتوافق مع التحولات في سلوك الجمهور واستهلاكه للمعلومات.
توفر البيئة الرقمية سرعة في الوصول، وانخفاضًا في تكلفة الاتصال، وإمكانية إنتاج محتوى متعدد الوسائط، إضافة إلى التفاعل الفوري مع الجمهور، وهي مزايا جعلتها أداة فعالة في الحملات الانتخابية المعاصرة.
لكن هذه المزايا لا تعني أن التأثير الاتصالي أصبح مضمونًا، لأن الإقناع السياسي لا يعتمد على كثافة النشر أو جودة الصورة فقط، بل يرتبط أيضًا بمستوى الثقة، ومصداقية الرسالة، وقدرة المترشح على بناء علاقة تواصل مستدامة مع المواطنين.
لذلك، لا يمكن القول إن المواقع نجحت فيما فشل فيه الواقع، وإنما إننا أمام تحول في بيئة الاتصال السياسي؛ حيث أصبحت المنصات الرقمية امتدادًا للفضاء العمومي، ووسيلة مكملة للأشكال التقليدية للتواصل، وليست بديلًا عنها. فكلما تحقق التكامل بين الحضور الميداني والحضور الرقمي، ازدادت فعالية العملية الاتصالية.
أما من الناحية العلمية، فقد أوضح الدكتور “بوعمامة”، أنه ينبغي التمييز بين الحملة الانتخابية الرقمية والانتخابات الإلكترونية، فهما مستويان مختلفان. نجاح استخدام المنصات الرقمية في الاتصال السياسي لا يعني بالضرورة الجاهزية للانتقال إلى التصويت الإلكتروني، لأن هذا الأخير يرتبط بمنظومة تقنية وقانونية وأمنية أكثر تعقيدًا.
فالانتخابات الإلكترونية تتطلب بنية تحتية رقمية موثوقة، وتشريعات واضحة، وأنظمة متقدمة للأمن السيبراني، وضمانات لحماية سرية التصويت وسلامة البيانات، إضافة إلى ارتفاع مستوى الثقة المجتمعية والثقافة الرقمية لدى المواطنين. ومن دون توافر هذه الشروط، لا يمكن الحديث عن انتقال آمن وفعّال إلى هذا النمط من الاقتراع.
ومع ذلك، يمكن اعتبار تنامي استخدام الوسائط الرقمية في الحملات الانتخابية مؤشرًا على اتساع الرقمنة في المجال السياسي والإداري، وقد يشكل خطوة ضمن مسار التحول الرقمي للدولة. إلا أن الانتقال إلى الانتخابات الإلكترونية يظل مشروعًا مؤسساتيًا طويل المدى، يعتمد على تدرج الإصلاحات التقنية والتنظيمية، وليس مجرد نتيجة طبيعية لازدياد النشاط الانتخابي على المنصات الرقمية
الأستاذ “عبد الحكيم صايم”: “الأحزاب السياسية مقصرة في اعتماد الفضاء الرقمي”
من جهتيه، يرى الدكتور “عبد الحكيم صايم”، أن الحملة الانتخابية لم تكن حملة بمعنى الوثبة المتميزة لأن معظم الأحزاب تؤيد برنامج السيد رئيس الجمهورية، وطريقة الانتخاب على الأشخاص وليس القائمة.
وهذا ما يفسر -حسبه-، التغييرات المستمرة للقائمة بعد التحفظ القانوني للسلطة المستقلة للانتخابات. معتقدا أن الموعد الانتخابي اعترضته مناسبات وطنية وعالمية، ساهمت في عدم الاهتمام بهذا الموعد الوطني كامتحانات نهاية السنة وكأس العالم.
وأردف الأستاذ “صايم”، أن خطاب الأحزاب ظرفي ومناسباتي، وهذا لا يصنع وعي سياسي قائم على التوازن بين الحقوق والواجبات.
أما فيما يتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي، فيعتبرها وسيلة لصناعة الرأي، ولكن ليست الأولى و الدليل استعمال الأحزاب لفرق القارقابو في استمالة الشباب، لعلهم يهتمون بالحدث الوطني.
واختتم الأستاذ “صايم” حديثه، بالتأكيد على أن الثورة الرقمية في حاجة إلى ثقافة و الأحزاب مقصرة في الموضوع، متمنيا أن يتم التدقيق في الحضور الحزبي لها من حيث منصات الانخراط و الأنشطة حسب المواعيد الثقافية الوطنية والعالمية، وهو ما يجعل العمل الرقمي محدودا و بالتالي لا يؤثر في الحدث الوطني.
أعدته: ميمي قلان



