تكنولوجيا

أين تتجه البوصلة الاستثمارية للذكاء الاصطناعي في عام 2026

يشهد الذكاء الاصطناعي تحولا عميقا يجعله ينتقل من أداة تقنية محدودة التأثير إلى قوة اقتصادية شاملة، وتصفه تحليلات اقتصادية حديثة بأنه عامل يعيد تشكيل أسواق المال والقطاعات الإنتاجية والحياة اليومية بوتيرة متسارعة. في هذا السياق تبرز سنة 2026 كمرحلة مفصلية يتداخل فيها الطموح مع الحذر حيث تتضخم الاستثمارات وتتزايد الأسئلة حول العائد والمخاطر، وتكشف المعطيات أن شركات التقنية الكبرى أصبحت تشكل وزنا غير مسبوق داخل المؤشرات المالية الأميركية.

 

الذكاء الاصطناعي كقوة اقتصادية شاملة

توضح القراءة الاقتصادية الراهنة أن تسارع الذكاء الاصطناعي بات ينعكس مباشرة على المحافظ الاستثمارية وعلى بنية الاقتصاد الكلي، إذ تشير البيانات إلى أن الشركات التقنية المستفيدة من الطفرة تمثل أكثر من ثلث مؤشر ستاندرد آند بورز خمسمائة. ويبرز في هذا المشهد الدور المحوري لشركة إنفيديا التي تستحوذ وحدها على نسبة معتبرة من المؤشر وهو ما يعكس حجم الرهان على البنية الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة.

في المقابل يمنح التوسع في الإنفاق الرأسمالي على مراكز البيانات دفعة قوية للاقتصاد الأميركي، لكنه يثير مخاوف متزايدة تتعلق بتراجع فرص العمل المبتدئة وارتفاع الضغط على موارد الطاقة والمياه. ضمن هذا الإطار تسعى التحليلات إلى الإجابة عن سؤال محوري يتمثل في أين تتحول الوعود التقنية إلى أرباح فعلية، وهو ما دفع خبراء الاستثمار إلى تقديم قراءات مختلفة لمسار التحول القائم. تجمع هذه القراءات على أن الفرص لا تقتصر على تطوير النماذج الذكية بحد ذاتها، بل تمتد إلى تقاطع الذكاء الاصطناعي مع البنية التحتية والطاقة والموارد الطبيعية والرعاية الصحية.

 

النقل والرعاية الصحية في صدارة الفرص

تضع كاثي وود الرئيسة التنفيذية لشركة أرك إنفست ما يعرف بالذكاء المتجسد في صدارة رهانات عام 2026، ويقصد به توظيف الذكاء الاصطناعي في العالم المادي وعلى رأسه النقل ذاتي القيادة. وترى هذه الرؤية أن سوق سيارات الأجرة ذاتية القيادة قد يتحول خلال سنوات قليلة إلى منظومة اقتصادية تقدر بتريليونات الدولارات مع اعتبار شركة تسلا في موقع متقدم داخل هذا السباق. ويعتمد هذا الطرح على فكرة أن ملايين المركبات المتصلة قادرة على جمع بيانات تشغيلية نادرة تتعلق بالحوادث والظروف الاستثنائية، وهو ما يمنح أفضلية تنافسية في سوق يميل إلى احتكار الفائزين.

في المقابل تشير المعطيات إلى أن شركات أخرى مثل وايمو التابعة لغوغل بدأت تتحرك بوتيرة أسرع بعد سنوات من التقدم البطيء، خصوصا مع دخول خدمات النقل الذاتي إلى مدن أميركية جديدة. إلى جانب النقل تبرز الرعاية الصحية كساحة استثمارية ذات عائد وأثر مرتفعين، حيث تسجل تقنيات تسلسل الجينات وتحليل الخلية الواحدة تقدما لافتا في تشخيص السرطان وتطوير العلاجات.

وفي هذا السياق تفضل وود شركات مثل تن إكس جينوميكس وتمبس أيه آي التي تعتمد على تحليل كميات ضخمة من بيانات المرضى لاستخلاص مؤشرات تحسن القرارات الطبية. وتشير هذه القراءة إلى احتمال تحول هذه المنصات إلى ركائز معلوماتية أساسية داخل منظومة الرعاية الصحية الأميركية خلال السنوات المقبلة.

 

البنية التحتية والطاقة وإدارة المخاطر

يقدم دني فيش من جانوس هندرسن مقاربة مختلفة تقوم على هندسة المحفظة الاستثمارية بدلا من التركيز على اسم واحد، إذ يقسم دورة تبني الذكاء الاصطناعي إلى ممكّنين ومعززين ومستخدمين نهائيين. ويشير هذا التقسيم إلى أن السوق لا يزال في مرحلة التمكين حيث تقود الاستثمارات في الشرائح ومراكز البيانات والطاقة موجة الإنفاق الحالية، مدفوعة بشركات كبرى مثل مايكروسوفت وألفابت وحكومات تطور سحابات سيادية.

أما في فئة المعززين فتظهر مخاطر اضطراب تنافسي داخل قطاع البرمجيات مع احتمال تراجع تقييمات بعض الشركات مقابل بروز فرص لشركات أخرى قادرة على التكيف. وفي فئة المستخدمين النهائيين تبرز شركات صناعية ومالية توظف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الكفاءة وبناء ميزة تنافسية مستدامة.

من زاوية أخرى ترى تاوشا وانغ من فيديليتي إنترناشونال أن الذكاء الاصطناعي قد يولد ضغوطا تضخمية نتيجة الإنفاق الضخم على مراكز البيانات، وهو ما يعيد الاعتبار للسلع وعلى رأسها النحاس كأداة تحوط إستراتيجية. وتضيف هذه القراءة أن تباطؤ التوظيف مقابل التوسع في الاستثمار بالآلات قد يدفع إلى سياسات نقدية أكثر تيسيرا رغم استمرار الضغوط التضخمية.

عند نقطة الاختناق يلفت مايكل سميث من أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس إلى أن الطاقة تمثل القيد الأكبر أمام توسع الذكاء الاصطناعي، ما يفتح فرصا في البنية التحتية للطاقة والصحة الرقمية والتأمين القائم على البيانات. وتخلص هذه الزوايا مجتمعة إلى أن تنويع الانكشاف على الذكاء الاصطناعي يظل الخيار الأكثر واقعية في ظل سوق مسعر على افتراضات محدودة، لأن الفرص الكبرى قد تظهر في القطاعات التي لم تحظ بالاهتمام خلال ذروة الطفرة

بن عبد الله ياقوت زهرة القدس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى