رمضانيات

رمضان عند أهل البدو الرحل في ولاية النعامة

 حكاية صيام بنكهة الأصالة ودفء العادات

في فضاءات ولاية النعامة السهبية، حيث تمتد البادية بهدوئها الرحب وتتناثر الخيم في تناغم مع الطبيعة، يحلّ شهر رمضان بروحٍ خاصة لدى البدو الرحّل، فيتحوّل إلى موسم تعبّدٍ وعملٍ وتراحم، تصوغه العادات المتوارثة جيلاً بعد جيل.

إنه التزام يومي يتداخل فيه الواجب الديني مع نسق الحياة الرعوية التي لا تتوقف. مع بزوغ الفجر، ينهض ربّ الأسرة رفقة أبنائه، يتفقدون الماشية ويقودونها من الزرائب نحو المراعي. ساعات النهار الأولى تمضي بين متابعة القطيع والسهر على سلامته، ثم يعودون به عند منتصف النهار إلى بئر المياه للشرب، قبل أن تعاد المواشي إلى الحضائر اتقاءً لحرارة القيظ.

وبعد أداء صلاة العصر، تُستأنف الرحلة اليومية من جديد؛ تخرج المواشي لترعى ما تيسّر، ويحرص الرعاة على إرجاعها إلى الخيمة قبيل أذان المغرب بساعة تقريباً، حيث تتولى النساء حلبها في انتظام يعكس خبرة السنين. يومٌ كامل من الجهد المتواصل، يختبر الصبر ويعمّق معنى الصيام في نفوس أهل البادية.

أما النساء، فمسؤوليتهن لا تقلّ أهمية. ينشغلن بتهيئة الخيمة ومحيطها، ويبدعن في إعداد مائدة رمضانية أصيلة، تتنوّع أطباقها بين الملفوف والكليلة والجبن واللبن الطازج، إضافة إلى صحون التمر التي تتوسط المائدة في رمزيتها الروحية والغذائية. بساطة في المكونات، وغنى في الدلالة، حيث تحضر البركة قبل كل شيء.

ومع اقتراب الغروب، يخيّم سكون مهيب على المكان. يلتف الصائمون حول جهاز الراديو مترقبين لحظة الإفطار عبر أثير إذاعة النعامة، فينطلق الأذان ليعلن اكتمال يومٍ من العبادة والعمل، وتتعالى عبارات الحمد في أجواء يملؤها الامتنان.

وعندما يُسدل الليل ستاره، تبدأ سهرات رمضانية دافئة حول صينية الشاي. يتبادل الرجال أطراف الحديث، وتتجدد صلات القربى بزيارات بين أصحاب الخيم المتجاورة، في صورة تعكس متانة الروابط الاجتماعية وروح التضامن التي يزكيها الشهر الفضيل.

ولئن ظلّت البادية وفية لأصالتها، فإنها واكبت روح العصر؛ فقد وصلت الطاقة الشمسية وأطباق الاستقبال الفضائي وخدمات الإنترنت إلى الخيم، فباتت نساء البادية، بعد إتمام مهامهن، يتابعن المسلسلات الجزائرية، في مشهد يجمع بين التقاليد الراسخة ومظاهر الحداثة.

هكذا يبدو رمضان عند أهل البادية: عبادةٌ في بساطة، وعملٌ في انتظام، وتكافلٌ في أبهى صوره. خصوصية متفرّدة تمنح الشهر الكريم طابعاً مختلفاً، حيث تتجلى القيم في تفاصيل الحياة اليومية، كتجربة روحية واجتماعية عميقة، تنبض بالأصالة والسكينة.

ابراهيم سلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى