
استغلّ الأمراء الأغالبة مكانتهم السياسية والعسكرية في إفريقية كورقة ضغط على الخلافة العباسية، مهدّدين بالتحالف مع خصومها، كلما حاولت بغداد الحدّ من نفوذهم. ويتجلى ذلك في موقف زيادة الله بن الأغلب من الخليفة المأمون حين رفض الدعاء لوالي مصر، ملمّحًا عبر دنانير مضروبة باسم الأدارسة إلى إمكانية الانحياز للمغرب الأقصى، ما دفع المأمون إلى التراجع.
كما حظيت الدولة الأغلبية باعتراف دولي، إذ أرسل الإمبراطور “شارلمان سفارات” إلى “إبراهيم بن الأغلب”، رغم علاقاته الودية مع الخليفة “هارون الرشيد”، ما يعكس ثقل إفريقية السياسي آنذاك.
غير أن الاضطرابات الداخلية في عهد “إبراهيم بن أحمد” (875–902م)، وما اتسم به حكمه من قسوة وفتن، أضعفت الدولة، بالتزامن مع تصاعد الخطر العبيدي (الفاطمي). ورغم محاولات الإصلاح المتأخرة، انتهى الأمر بسقوط الأغالبة بعد معركة الأربس سنة 909م، وفرار زيادة الله، لتقوم الدولة الفاطمية وتبسط سيطرتها على القيروان والمغرب، ثم تتوسع لاحقًا نحو مصر والشام والحجاز.
ومع انتقال الفاطميين إلى مصر سنة 973م في عهد “المعز لدين الله”، أُسند حكم إفريقية إلى “بلكين بن زيري الصنهاجي”، فدخلت المنطقة مرحلة الزيريين. غير أن الانقسام داخل البيت الصنهاجي، واستقلال “حماد بن بلكين”، مهّد لظهور المرابطين في المغرب الأقصى، كما أدى تمرد “المعز بن باديس” على الفاطميين إلى اجتياح “بني هلال”، ما تسبب في تدهور العمران وتراجع مكانة القيروان سياسيًا وحضاريًا.



