
منذ الساعات الأولى للصباح وحتى غروب الشمس، تتحول شواطئ العاصمة إلى فضاءات تعج بالحياة، حيث تمتزج زرقة البحر بضحكات الأطفال، وتجد العائلات الجزائرية في البحر ملاذا للهروب من حرارة الصيف وصناعة لحظات لا تنسى. فمع أولى خيوط الشمس، تبدأ الطرقات المؤدية إلى شواطئ العاصمة في استقبال أعداد متزايدة من العائلات القادمة من مختلف الولايات، سيارات محملة بالمظلات والكراسي والمبردات، أطفال تسبقهم لهفتهم إلى ملامسة مياه البحر، وآباء وأمهات يحملون معهم أملا في قضاء يوم هادئ بعيدا عن ضغوط الحياة اليومية.
فصل الصيف بالنسبة للكثير من الجزائريين ليس مجرد عطلة، بل هو موسم تنتظره الأسر طوال العام، حيث يجد الجميع فرصة للالتقاء والاستجمام وسط الطبيعة. ومع اتساع الشريط الساحلي للعاصمة، أصبحت شواطئها وجهة مفضلة لآلاف المصطافين، سواء من سكان العاصمة أو من الولايات الداخلية الذين يختارون البحر محطة أساسية خلال عطلتهم.
شواطئ العاصمة… وجهة لا تغيب عنها الحركة
تستقطب شواطئ العاصمة على غرار سطاوالي، وبما تتضمه من نادي الصنوبر وسيدي فرج وشاطئ “النخيل”، إضافة إلى شاطئ “ديكا بلاج” بعين طاية وشاطئ “الصابلات”، أعدادا كبيرة من الزوار خلال موسم الاصطياف.
ففي هذه الفضاءات، تتجسد لوحة صيفية جميلة؛ رمال ذهبية، مياه زرقاء صافية، وعائلات تفترش الشاطئ منذ الصباح الباكر بحثًا عن أفضل الأماكن القريبة من البحر. ولا يقتصر الأمر على السباحة فقط، بل يتحول الشاطئ إلى فضاء يجمع بين الترفيه والراحة والتواصل العائلي، حيث يجلس الكبار تحت المظلات يتبادلون أطراف

الحديث، بينما ينشغل الأطفال ببناء القلاع الرملية أو اللعب بالكرات الملونة، فيما يفضل آخرون السباحة أو ركوب القوارب المطاطية.
ما يلفت الانتباه في مختلف الشواطئ، هو الحضور القوي للعائلات الجزائرية، التي أصبحت ترى في البحر متنفسا حقيقيا يقرب أفرادها من بعضهم البعض،الأم تتابع أطفالها وهم يمرحون بين الأمواج، والأب يشارك أبناءه ألعابهم على الرمال، والجدة تستمتع بمنظر البحر وهي تراقب الأحفاد بابتسامة لا تفارق وجهها، تلك اللحظات البسيطة تصنع ذكريات تبقى راسخة في الأذهان، فالبحر بالنسبة للأطفال ليس مجرد مكان للسباحة، بل عالم مليء بالاكتشافات والفرح، وبالنسبة للكبار فرصة لاستعادة شيء من الهدوء وصفاء الذهن.
زرقة البحر… علاج طبيعي للنفس
ما إن تقع العين على امتداد البحر، حتى يشعر الزائر براحة مختلفة مع زرقة المياه، وحركة الأمواج المتعاقبة، وصوتها وهي تلامس الرمال. كلها عناصر، تمنح المصطافين شعورا بالسكينة، الكثيرون يفضلون الجلوس لساعات أمام البحر دون القيام بأي نشاط، مكتفين بتأمل الأفق الواسع، فيما يحرص آخرون على توثيق اللحظات بالصور العائلية التي أصبحت جزء من ذكريات كل عطلة صيفية. ومع اقتراب المساء، تتحول لحظة غروب الشمس إلى مشهد يخطف الأنظار، حيث تنعكس أشعة الشمس على صفحة البحر في لوحة طبيعية يحرص الجميع على التقاطها بعدسات الهواتف.
الأطفال هم الأكثر سعادة على الشاطئ، إذ لا يتوقفون عن الجري واللعب منذ وصولهم، فهذا يبني قلعة من الرمال، وآخر يحاول جمع الأصداف البحرية، وثالث يلاحق الأمواج الصغيرة قبل أن تعود إلى البحر، وتتردد ضحكاتهم في كل مكان، في صورة تؤكد أن البحر يبقى الفضاء المفضل لديهم خلال العطلة الصيفية، وبين الألعاب المائية والسباحة والرمال، يعيش الأطفال ساعات مليئة بالمرح بعيدا عن الدراسة والأجهزة الإلكترونية.
“البينيي”… رائحة تعلن عن قدوم الصيف
من بين المشاهد التي أصبحت مألوفة في الشواطئ، تجول بعض الأطفال والشباب حاملين صواني أو سلالا صغيرة يعرضون فيها مأكولات خفيفة، في مقدمتها “البينيي”، إلى جانب بعض الحلويات والمأكولات الشعبية التي يقبل عليها المصطافون، رائحة “البيني” الساخن تمتزج برائحة البحر، لتصنع إحساسا خاصا لا يكاد يغيب عن ذاكرة زوار الشواطئ، ويقبل الأطفال والكبار على اقتناء هذه المأكولات، التي أصبحت بالنسبة للكثيرين جزء من طقوس الاصطياف، لما تضفيه من أجواء عائلية مميزة.
لا تقتصر الحياة على السباحة فقط، فالشواطئ تشهد أيضا نشاطا تجاريا متنوعا، باعة متجولون يعرضون المثلجات، المشروبات الباردة، الذرة المشوية، الألعاب المائية، القبعات والنظارات الشمسية، في مشهد يعكس الحيوية التي يعرفها الموسم الصيفي،ويحرص العديد من الزوار على اقتناء بعض المستلزمات أو الهدايا التذكارية لأطفالهم، بينما يجد آخرون في هذه الحركة التجارية مصدر رزق موسمي يساعدهم على تحسين دخلهم.
الحماية المدنية… حضور يبعث على الاطمئنان
وسط هذا الإقبال الكبير، يبرز الدور المهم لأعوان الحماية المدنية المنتشرين عبر الشواطئ المسموح بالسباحة فيها، يراقبون حركة البحر باستمرار، ويتابعون المصطافين من أبراج المراقبة، ويتدخلون عند الحاجة بسرعة واحترافية، بما يعزز شعور العائلات بالأمان أثناء الاستمتاع بالسباحة.
كما يحرص الأعوان على توجيه المصطافين، خاصة الأطفال، واحترام التعليمات وعدم الابتعاد عن المناطق المخصصة للسباحة، مع متابعة حالة البحر ورفع الرايات التي تحدد مستوى الخطورة، حيث يحظى وجودهم بتقدير كبير من قبل العائلات، التي ترى فيهم عنصرا أساسيا لنجاح موسم الاصطياف في ظروف آمنة.
ورغم الأجواء الجميلة، تبقى المحافظة على نظافة الشواطئ مسؤولية مشتركة بين جميع المصطافين، فالمشهد يصبح أكثر جمالا عندما يحرص الجميع على جمع النفايات، ووضعها في الأماكن المخصصة لها، حفاظًا على البيئة البحرية وعلى راحة الزوار، كما أن احترام الآخرين، عدم إزعاج العائلات والمحافظة على المرافق العمومية، كلها سلوكيات تجعل الاصطياف أكثر متعة وتنظيما.
البحر… ذاكرة صيف لا تنتهي
مع حلول المساء، تبدأ العائلات في جمع أغراضها استعدادا للعودة إلى منازلها، لكن الوجوه تحمل ملامح الرضا بعد يوم طويل من السباحة واللعب والاسترخاء. فالأطفال يغادرون وهم يطالبون بالعودة في اليوم الموالي، والآباء يلتقطون آخر الصور قبل مغادرة الشاطئ، بينما يبقى البحر شاهدا على آلاف القصص الصغيرة التي تتكرر كل صيف.
وهكذا، تظل شواطئ العاصمة أكثر من مجرد أماكن للسباحة؛ فهي فضاءات تلتقي فيها العائلات، تصنع فيها الذكريات، وتتعزز فيها روابط المحبة بين أفراد الأسرة، في مشاهد تؤكد أن البحر سيبقى دائما العنوان الأجمل لصيف الجزائريين، ووجهة يهربون إليها كلما اشتدت حرارة الأيام، حاملين معهم أحلاما بسيطة عنوانها الراحة والفرح، ليعودوا إلى بيوتهم وقد امتلأت ذاكرتهم بصور زرقة البحر، وابتسامات الأبناء، ونسيم الساحل الذي لا يشبهه أي مكان آخر.
جطي عبد القادر



