
في لحظة مفصلية يمر بها القطاع الفلاحي في الجزائر، يتضح أن معركة الإنتاج لم تعد تُحسم في الحقول فقط، بل في مراكز التكوين أيضا. فإطلاق دورة متخصصة لتأهيل سائقي الآلات الفلاحية بولاية المنيعة، يعكس انتقالاً نوعياً في التفكير التنموي، من التركيز على توفير الوسائل إلى الاستثمار في من يُحسن استخدامها.
هذا التحول، يأتي في سياق وطني يسعى إلى تقليص التبعية الغذائية ورفع مردودية الإنتاج، عبر إدماج المكننة كخيار استراتيجي. غير أن التجارب السابقة، أظهرت أن استيراد المعدات، دون تأهيل كافٍ للعنصر البشري، يحدّ من فعاليتها ويقلص من مردودها الاقتصادي. من هنا، تبدو هذه المبادرة كتصحيح للمسار، يضع الكفاءة في قلب المعادلة.
البرنامج التكويني، الذي يجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، لا يقتصر على تعليم تقنيات القيادة، بل يمتد ليشمل مهارات الصيانة، إدارة الأعطال، واحترام معايير السلامة المهنية. وهو ما يعزز من جاهزية المتخرجين للاندماج السريع في سوق العمل، ويمنحهم قيمة مضافة حقيقية في بيئة فلاحية تتجه نحو التخصص.
كما تبرز هذه الخطوة بعداً اجتماعياً مهماً، إذ تمنح الشباب، خاصة في المناطق الجنوبية، فرصة لبناء مسار مهني مستقر في قطاع واعد، بدل الاكتفاء بالوظائف التقليدية أو الهجرة نحو المدن. وهو ما يساهم في خلق توازن تنموي ويعزز الاستقرار المحلي.
في المقابل، يبقى التحدي الأكبر في استمرارية مثل هذه البرامج وتعميمها على نطاق أوسع، لضمان تحقيق أثر فعلي ومستدام. فنجاح المكننة لا يُقاس بعدد الآلات المستوردة، بل بقدرة الأيدي العاملة على تحويلها إلى إنتاج فعلي. وعليه، تؤكد تجربة المنيعة أن الفلاحة الحديثة تبدأ من الإنسان، وتنتهي عنده، كفاعل رئيسي في معادلة التنمية.
الهوصاوي لحسن



