الــجــامــعــة

جامعة بشار تحتضن أسبوعا تدريبيا

حول نظم المعلومات الجغرافية خماسية الأبعاد

  •  مقاربة حديثة لفهم الواقع ودعم القرار

 

في خطوة تؤكد انخراط الجامعة الجزائرية في التحولات التكنولوجية العالمية، احتضنت جامعة “طاهري محمد” ببشار، بالتعاون مع جامعة تندوف، أسبوعًا تدريبيًا متميزًا حول نظم المعلومات الجغرافية بالأبعاد الخمسة (5D GIS)، وذلك خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 16 أفريل 2026.

 

غير أن أهمية هذا الحدث لا تتوقف عند بعده الأكاديمي أو التقني، بل تتجاوز ذلك إلى الإشكالية التي يطرحها في صميم فهمنا للأحداث والظواهر: كيف يمكن اتخاذ قرار دقيق وراشد إذا ظل تحليل الواقع محصورًا في موضع الحدث أو زمنه، من دون الإحاطة بسياقه، وتفاعلاته، ودلالاته العميقة؟

من هنا، جاء التركيز على نظم المعلومات الجغرافية خماسية الأبعاد بوصفها تطورًا نوعيًا في طريقة قراءة الواقع وتحليل الأحداث، فإذا كانت الخرائط التقليدية تكتفي بإظهار موضع الظاهرة، ثم أضافت النماذج اللاحقة الارتفاع والزمن، فإن البعد الخامس يذهب أبعد من ذلك بإدماج الظاهرة القابلة للقياس في سياقها الفعلي، بما يشمل المعطيات الاجتماعية أو الاقتصادية أو البيئية، وكل ما يمنح الحدث دلالته العملية.

وبهذا المعنى، لا يعود الهدف مجرد معرفة أين وقع الحدث ومتى، بل فهم ما الذي يجري فعلًا، ولماذا يتخذ هذا المسار، وما الآثار التي قد تترتب عليه، بما يمنح صانع القرار صورة أكثر اكتمالًا ووضوحًا. ومن هذه الزاوية، اكتسى الأسبوع التدريبي ببشار أهمية خاصة، لأنه لم يقدّم تقنية جديدة فحسب، بل طرح رؤية حديثة تجعل من الخريطة أداة للفهم العميق والتخطيط الرشيد، لا مجرد وسيلة للتمثيل والوصف.

ولم يقتصر الأسبوع التدريبي على الجانب التطبيقي فحسب، بل أولى المداخلات النظرية أهمية خاصة، بوصفها مدخلًا ضروريًا لفهم التحولات الجارية في نظم المعلومات الجغرافية الحديثة. وقد شهد اليوم الافتتاحي سلسلة من المداخلات العلمية قدّمها كل من “أ.د. تمالي محمد”، و”أ.د. محمد تحريشي”، و”د. بركاني عبد العزيز”، و”د. العربي عبد المجيد”.

وتوزعت هذه المحاضرات النظرية على محاور متدرجة، شملت تقديمًا مبسطًا لنظم المعلومات الجغرافية من البعد الثاني إلى البعد الخامس، ثم المسح الضوئي لبناء النماذج ثلاثية الأبعاد، وتقنيات المسح الفوتوني والتموضع القوسي، ثم إدماج الذكاء الاصطناعي في نظم المعالجة المكانية، وصولًا إلى أهمية التوأم الرقمي خماسي الأبعاد في معالجة المعطيات الضخمة. وبهذا المعنى، لم تكن هذه المداخلات مجرد شروح تقنية، بل أسهمت في بناء أرضية معرفية متماسكة، مكّنت المشاركين من فهم الخلفيات العلمية للمفاهيم المطروحة قبل الانتقال إلى التطبيقات الميدانية.

ولم يكن هذا المسار مجرد عرض نظري للمفاهيم، بل تحول إلى تجربة تطبيقية مباشرة، بما أتاح للمشاركين تحويل المعارف المكتسبة إلى ممارسات ميدانية ملموسة. كما سيتواصل هذا التكوين عبر يومين تدريبيين بجامعة تندوف، تتخللهما محاضرتان يقدمهما “أ.د. تمالي محمد” حول التراث المادي واللامادي في ضوء نظم المعلومات الجغرافية بالأبعاد الخمسة، وهو ما يضفي على الموضوع بعدًا إضافيًا يربط التكنولوجيا الحديثة بقضايا الثقافة والهوية والذاكرة المحلية. وإلى جانب ذلك، ستتخلل هذه الفعاليات زيارة ميدانية إلى منجم قارة جبيلات، بما يتيح ربط المعارف النظرية والتطبيقية بواقع ميداني ذي أهمية استراتيجية.

ويعكس هذا الحدث، سعي الجامعة الجزائرية إلى وصل البحث العلمي بالتكنولوجيا الحديثة، وجعل المعرفة الجغرافية أداة لفهم الواقع، وتوجيه القرار، وخدمة التنمية. فحين تصبح المعطيات أكثر تكاملًا، ويغدو السياق جزء أساسيًا من التحليل، يصبح القرار بدوره أكثر دقة وفعالية.

ومن هذا المنطلق، تبدو هذه الورشة التدريبية أكثر من مجرد نشاط جامعي، إذ تمثل خطوة عملية نحو ترسيخ مقاربة علمية جديدة تجعل من الخريطة أداة للفهم العميق والتخطيط الرشيد، لا مجرد وسيلة للتمثيل والوصف.

عمر العربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى