
نظّمت المكتبة العمومية للمطالعة بمعسكر، ندوة علمية خاصة باليوم للعربي للمخطوطات، تحت شعار يجمع بين صون الذاكرة ومواكبة التحول الرقمي، في تأكيد واضح على أهمية المخطوط بوصفه وعاءً للمعرفة، ومرآة للهوية الحضارية، وركيزة من ركائز الذاكرة الثقافية للأمة.
وقد جاءت هذه الندوة لتسلّط الضوء على قيمة المخطوطات، وضرورة العناية بها حفظا وتحقيقا وفهرسة ورقمنة، بما يضمن حمايتها من الضياع والتلف، ويتيح للأجيال الحاضرة واللاحقة، الاستفادة منها في البحث والدراسة واستحضار الموروث الحضاري.
استُهلّت فعاليات الندوة بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلاها الأستاذ “صلاح الدين بن نعوم” وبعدها أداء النشيد الوطني، وقفة ترحم على روح الفقيد “اليمين زروال”، ثم كلمة ألقاها مدير المكتبة العمومية للمطالعة بمعسكر بالمناسبة. أبرز فيها أهمية تنظيم هذه الندوة احتفاءً باليوم العربي للمخطوط، مؤكدًا أن المخطوطات تمثل جزء أصيلًا من تراث الأمة وذاكرتها، وأن صونها لم يعد مقتصرًا على الحفظ التقليدي فقط، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بآليات العصر، وفي مقدمتها الرقمنة ووسائل الحفظ الحديثة.
المداخلات العلمية
عرفت الندوة سلسلة من المداخلات القيّمة والمتنوعة، عالجت موضوع المخطوط من جوانب متعددة:
- مداخلة الدكتور “بونقاب. م”، تناول فيها موضوع المخطوط من حيث تعريفه أنواعه أدواته كيفية تحضيره قيمته العلمية والتاريخية، كما أشار إلى توفر عدد من المخطوطات بمدينة معسكر ضمن خزانات خاصة، مبرزًا في الوقت نفسه مشكلة ندرة المخطوطات، وضياع بعضها أو تصنيفه في حكم المفقود، إضافة إلى ما تتعرض له من ظروف تخزين غير ملائمة، وما يترتب عنها من تلف أو سرقة. كما ركز على أهمية التدقيق في هوية المخطوط، وبيّن مظاهر الاهتمام المتزايد بالمخطوطات من خلال تحقيقها ودراستها.
- مداخلة الأستاذ “محمد العرقوب”، وهو أستاذ بالمركز الوطني للمخطوطات، ملحقة تلمسان، حيث تطرق إلى موضوع الرقمنة والتصوير الآلي للمخطوطات، موضحًا المراحل التي يمر بها المخطوط قبل إعداده للاستغلال العلمي، ومبرزا أهمية الوسائل التقنية الحديثة في الحفاظ على هذا التراث النفيس، وتسهيل الوصول إليه.
- مداخلة الأستاذ “صلاح الدين بن نعوم”، خصصها للتعريف بالخزانة الخاصة بعائلته، والتي تضم 26 مخطوطًا أصليًا رسائل خاصة مخطوطات مصورة مطبوعات صورًا نادرة. وقد مثّلت هذه المداخلة نموذجًا حيًّا لما تزخر به الخزائن العائلية من ذخائر علمية ووثائقية ذات قيمة كبيرة.
- مداخلة “الحاج الجيلالي مغوفل”، قدم فيها تعريفًا بالخزانة العائلية الخاصة الموجودة بزاوية “سيدي محمد مغوفل” بغليزان، واختتم مداخلته بجملة من التوصيات المهمة المتعلقة بسبل الحفاظ على المخطوطات وصيانتها، باعتبارها تراثًا خاصًا ذا أهمية وطنية وحضارية.
- مداخلة الدكتور “أسامة تني”، تناول فيها موضوع الموروث المخطوط في معسكر، مع التركيز على أهمية المبادرة إلى فهرسته وتوثيقه، باعتبار ذلك خطوة أساسية في سبيل حمايته والتعريف به وتمكين الباحثين من الاستفادة منه.
- تعليق منشط الندوة الدكتور “بونقاب.م”، حيث قدّم قراءة جامعة للمداخلات، مؤكدًا على أهمية المخطوطات ضرورة صيانتها نشر الوعي المجتمعي بقيمتها تشجيع الجهود العلمية والمؤسساتية، الهادفة إلى حفظها وتحقيقها ورقمنتها المناقشة العامة.
وقد اختُتمت الندوة بفتح باب النقاش، حيث أثيرت جملة من التساؤلات والملاحظات حول مختلف المداخلات، وقد تولى الأساتذة المتدخلون الإجابة عنها وتوضيح ما استوجب البيان، مما أضفى على الندوة بعدًا تفاعليًا وعلميًا مهمًا.
أهمية المخطوط وضرورة الحفاظ عليه
لقد أكدت هذه الندوة، أن المخطوط ليس مجرد وثيقة قديمة، بل هو وعاء للعلم والمعرفة، وشاهد على تطور الفكر، ومرآة للهوية الثقافية والحضارية. ومن ثم، فإن الحفاظ عليه يعد مسؤولية جماعية تتقاسمها المؤسسات والأفراد والباحثون، عبر: الحفظ الجيد في ظروف ملائمة، الجرد والفهرسة، التحقيق العلمي، الرقمنة، التوعية بقيمته وحماية الخزائن الخاصة من الضياع أو الإهمال.
هذه الندوة العلمية شكّلت محطة ثقافية متميزة في إحياء اليوم العربي للمخطوط، وأسهمت في إبراز الجهود المبذولة في سبيل صون هذا التراث النفيس، كما فتحت المجال لتبادل الخبرات والتجارب حول آليات حفظ المخطوطات واستثمارها علميًا. وهي مبادرة تستحق التقدير، لما لها من دور في ترسيخ الوعي بأهمية المخطوط بوصفه جزء أصيلًا من الذاكرة الوطنية والحضارية.
سلطاني مختار



