الــجــامــعــة

المشروع النهضوي والحداثة.. تعددت الرؤى الفكرية وتباينت الأطروحات

تُعدّ مسألة المشروع النهضوي من أبرز القضايا الفكرية التي شغلت المجتمعات العربية والإسلامية منذ القرن التاسع عشر، حيث ارتبطت بسؤال مركزي مفاده: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وقد أفرز هذا السؤال نقاشًا عميقًا حول أسباب التخلف، سبل التقدم، وإمكانيات بناء مشروع نهضوي ينهض بالأمة حضاريًا وثقافيًا واقتصاديًا.

 

إن النهضة تعني الانتقال من حالة الجمود والتراجع إلى حالة الفعل الحضاري، عبر تجديد الفكر، تطوير المؤسسات، وتحديث أنماط الإنتاج والمعرفة. وقد برزت إشكالية المشروع النهضوي في سياق الاحتكاك الحضاري مع الغرب، خاصة بعد الصدمة التي أحدثها التفوق العلمي والتقني الأوروبي، وما رافقه من توسع استعماري.

 

تشخيص التخلف

تعددت الرؤى الفكرية في تفسير أسباب تعثر النهضة، ومن أبرزها:

(01)- العوامل الداخلية: الجمود الفكري، ضعف التعليم، تراجع البحث العلمي، غياب العقل النقدي، واستمرار أنماط تقليدية في الحكم والاقتصاد.

(02)- العوامل الخارجية: الاستعمار، الهيمنة الثقافية والاقتصادية، وإدماج الدول النامية في منظومة عالمية غير متكافئة. وقد انقسم المفكرون بين من حمّل المسؤولية للذات ومن أرجعها أساسًا إلى العامل الخارجي، بينما ذهبت بعض القراءات إلى الجمع بين العاملين.

 

مشاريع النهضة

عرف الفكر العربي والإسلامي محاولات متعددة لبناء مشروع نهضوي، من أبرز اتجاهاتها:

(01)- الاتجاه الإصلاحي: دعا إلى إصلاح ديني وفكري يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويرى أن النهضة لا تتحقق إلا بإحياء القيم العقلية في التراث.

(02)- الاتجاه الليبرالي: ركز على تحديث الدولة، التعليم، والحريات الفردية، مستلهمًا التجربة الغربية.

(03)- الاتجاه القومي: ربط النهضة بالتحرر الوطني وبناء دولة قوية موحدة.

(04)- الاتجاه الحضاري الشامل: اعتبر النهضة مشروعًا متكاملًا يشمل الإنسان، القيم، والمؤسسات.

 

التقليد والتجديد

تتمحور إحدى أعقد قضايا النهضة حول العلاقة بين التراث والحداثة. فبين الدعوة إلى القطيعة مع الماضي والدعوة إلى التمسك به دون نقد، برزت الحاجة إلى قراءة عقلانية للتراث تُميّز بين الثابت والمتغير، وتوظّف الإرث الحضاري في خدمة الحاضر والمستقبل.

 

النهضة والعولمة

أعادت العولمة والتطور التكنولوجي طرح إشكالية النهضة بصيغة جديدة، حيث أصبحت المعرفة، الرقمنة، والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية في التقدم. ولم تعد النهضة مقتصرة على الشعارات الفكرية، بل باتت رهينة بناء الإنسان المنتج، الاستثمار في العلم، وترسيخ الحوكمة الرشيدة.

 

تظل إشكالية النهضة سؤالًا مفتوحًا ومتجددًا، يتجاوز البعد النظري إلى رهانات عملية تتطلب إرادة سياسية، مشروعًا ثقافيًا واضحًا، وإصلاحًا شاملًا للتعليم والاقتصاد. فالنهضة ليست استنساخًا لتجارب الآخرين، بل فعل حضاري واعٍ ينطلق من خصوصية المجتمع ويستثمر منجزات العصر لصناعة مستقبل أفضل.

ك. حسام الدين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى