
تعرف المرحلة الحالية مواجهة حقيقية بين الإنسان والآلة الذكية، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي ينتشر في المجالات ويقوم مقام البشر في عديد المجالات، ما يعني أن البطالة ستضرب أطنابها في قادم السنوات، بعد الاستغناء عن عديد المهن.
بيد أنه في الوقت الذي يتخوف البعض من اختفاء بعض التخصصات، يطمئن آخرون بل يتعهدون باستغلال الذكاء الاصطناعي لخدمتهم، لاسيما من يتقنون المهن اليدوية والحرف، على غرار السيدة “رحيمة. ب”، المختصة في الخياطة التقليدية، التي خاضت في النقاش حول الموضوع مع جريدة “البديل”.
الحرفة متعة الفرد
ترى “رحيمة. ب” أنه على الفرد رجلا كان أو امرأة أن يتعلم حرفة تسمح له بتدبر أموره، حتى وإن لم يتخذها مهنة حياته، فهي تجعله يلبي حاجته اليومية، كطبخ طبق تقليدي يستمتع بتذوقه، سواء طبخ عادي أو حلويات، صنع تحف مميزة بلمسة فردية لا تتكرر عند الآخرين، سواء كانت هدايا، قطع أواني من الطين أو الفخار، توفير نكهات عطرية وتجميلية تزيد من جمال الفرد وبهائه كالعطور المقطرة، الصابون، الغاسول، الكحل والزيوت… أو قطعة لباس فريدة، تشد الناظر وتزيد من تأنق لابسها سواء الخياطة والطرز أو حياكة الصوف بعد لفها وتوضيبها انطلاقا من جزها من الأنعام وصولا إلى تحولها لقطعة نسيج،تتحول حتى إلى فراش وغطاء أو حتى تصميم حديقة برؤية خاصة للألوان وتزاوجها وحجم النبات والأشجار وتناسقها، وغيرها من المنتجات التي تفجر إبداع الفرد وتصنع تميزه وغالبا ما تمنحه إسما يعطيه مكانة ويكسبه شهرة ليس فقط بمنطقة سكنه بل تتعدى إلى ما وراء البحار فتتحول إلى شغف يمارس بحب ومتعة.
الحرفة تساهم في صنع الهوية
وتواصل “رحيمة” حديثها حول الحرفة وأهميتها، بأن الحرفة إلى جانب أهميتها الاقتصادية وتوفيرها لدخل محترم، فإنها مع الوقت تتحول من مجرد ممارسة تقليدية إلى مصدر ثروة، فهي تخلق ماركات وتنشء علامات تصبح معروفة عالميا، لأن الفرد أو العائلة ميزتها بسر خاص يجعلها فريدة حتى وإن كانت محاولات لتقليدها.
ولهذا، عوض أن تكون لفرد تتجاوزه لتشمل منطقة، خاصة وأن الحرفة غالبا ما تكون مهنة عائلية، حسب “رحيمة”، لأنها تتحول إلى مصدر دخل، فيركز ممتهنوها على الإبداع والابتكار فيها، لوضع لمسة خاصة بهم تميزهم عن غيرهم، فحتى وإن انتشرت فإنها تبقى لصيقة بمنبع انتشارها. وهو ما تعمل منظمة “اليونسكو” الأممية على ترسيخه من خلال ربط كل تقليد وحرفة بمنشئها لتعزيز هوية الشعوب وتاريخ أممهم، وقد كان للطبخ، اللباس التقليدي نصيب، على غرار الكسكس الذي تقاسمته شعوب شمال إفريقيا، الزليج الجزائري، الهريسة التونسية، القفطان الجزائري… فالجزائر ثرية مكوناتها الثقافية وغنية بتقاليدها وأعرافها التي تتميز وتتغير من منطقة لأخرى…
الخياطة التقليدية مهنة ومتعة
وبخصوص الخياطة التقليدية التي تمارسها “رحيمة.ب”، فهي تجدها متعة وشغف تبدع في إبراز قدرتها على خلق جماليات لا تتكرر عند غيرها وإن تم تقليدها، أصبحت “القندورة الشاوية” تلقى رواجا كبيرا بين النساء بولاية وهران، فبعدما كانت تكتفي بخياطة ما ترغب به الزبونة، تحولت إلى مبدعة تعرض أفكارها على النساء وجعل كل قطعة تتميز عن الأخرى.
وعوض أنها كانت تكتفي بخياطة فساتين بطريقة تفصيل يمثل منطقة الشاوية تلبس يوميا في البيت إلى الإبداع في فساتين المناسبات بلمسة شاوية خالصة، جعلت النسوة تتهافت على طلبها للتباهي في المناسبات، خاصة ما يتعلق بالأعراس والمناسبات بين الأهل في المناطق غير الشاوية، مما جعل إعجاب النساء بها يخلق لديها برنامجا مغايرا لما كانت دؤوبة عليه، لتتحول إلى جالبة للقماش من ولاية باتنة حسب الألوان والأنواع لتخيط حسب الذوق.
وغالبا ما يتغلب ذوقها في الجمع بين الفصالة، الطرز واللون، وعوض خياطة ثوب واحد لزبونة واحدة، أصبحت تخيط مجموعة فساتين لباقي أفرادها، بعدما انتقلت الزبونات من مرتديات للفساتين إلى سفيرات للخياطة “رحيمة”.
التكنولوجيا سهلت الطرز والخياطة لكنها لا تعوض البشر
وبانتشار سمعة الخياطة “رحيمة” وزيادة الطلب عليها بانتقال زبوناتها للإقامة خارج وهران بحكم عمل أزواجهن، اضطرت “رحيمة” إلى الاستعانة بآلة تطريز متطورة (رقمية) لتسهيل عملية تجسيد “الرشمة” على القماش، بعد الانتهاء من عملية التفاصيل.
حيث تختصر آلة التطريز التي هي عبارة عن آلة تطريز مزودة بشاشة إلكترونية وذاكرة ذكية تخزن نوع الطرز والألوان المنتقاة، لتطرزها على القماش في وقت قياسي وبجهد أقل، وهو ما يجعل “رحيمة” تخيط عوض فستان أكثر، وعوض بذل جهد على الآلة التقليدية “الطنيبر”، تكتفي بتركيب الخيط في الإبرة وتتركها تنفيذ مرادها بكل سهولة.
وفي هذا الإطار، تشيد “رحيمة” بالتكنولوجيا التي سهلت الأمر عليها مثلما فعلت في باقي المجالات، غير أنها تلوم عليها غياب الدقة والروح عن القطعة المطرزة، لأن الخياطة التقليدية تجعل الخيط يتغذى من طاقة ماسكه، فيشعر لابسها بالتغير عند ارتدائها وغالبا ما يكون شعور الفخامة ونوعا من النرجسية لأنها قطعته وحده وتميزه عن غيره خاصة النساء، وما هو معروف بينهن من غيرة لتكون الواحدة أجمل من غيرها.
بينما الطرز بالآلة، يجعل الخيوط بلا روح ومتطابقة مثل ألبسة المصانع والورشات، وإن كانت راقية (ماركات عالمية)، إلا أنها تفقد قيمتها مباشرة أمام الألبسة التقليدية التي تحمل أسرار خياطها. كما تجد الخياطة “رحيمة” متعة وهي تخيط وتضع لمساتها الخاصة على اللباس بما يجعل شعور زبونتها يزداد إيجابية وشغفا يجعلها تطلب قطعا أخرى وبطرز مغاير لسابقه، لاسيما وأن التفصيل يبقي على الشخص البحث عن الجديد من أجل إظهار جماليته على الجسد مع الحرص على إخفاء عيوب القد خاصة لدى المرأة… غير ناكرة لإمكانية الإضافة الراقية، التي يمكن أن يعطيها “الذكاء الاصطناعي” للباس، بإبراز معطيات تلهم صاحب القماش لخلق فصالة جديدة لا يمكن للآلة تنفيذها رغم تطورها، لأن هناك تفاصيل لا يمكن الاستهانة بها أو تجاوزها على قدر صغرها أو هامشيتها، ولكنها تبقى هي التي تصنع الفارق وتخلق التميز.
وتنتهي الخياطة “رحيمة.ب” التي انتهت بها الأقدار إلى وهران قادمة من ولاية باتنة، محملة بتقاليد وحرفة مهمة لا يمكن الاستغناء عنها، وقد كانت مهنة الأنبياء، إلا أن الحرفة التقليدية تبقى عسيرة على التكنولوجيا مهما بلغت من التطور، لأن من وضع التكنولوجيا هو بشر حامل للعقل الإنساني، عززها بمعطيات ومعلومات مهما كانت غزيرة تبقى محدودة لا يمكنها التطور، بينما العقل البشري في تطور مستمر لا يتوقف عن الإبداع والابتكار.
أعدته: ميمي قلان



