
يشهد العالم في السنوات الأخيرة سباقًا محمومًا نحو السيطرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ بات هذا المجال المحرك الأبرز للاقتصاد الرقمي والابتكار في مختلف القطاعات، ومع هذا التحول العالمي برزت المملكة العربية السعودية كقوة صاعدة استطاعت في فترة زمنية قصيرة أن تضع نفسها بين أكبر الدول التي تقود هذا التوجه المتسارع، مما جعل حضورها لافتًا على مستوى المؤشرات الدولية التي تقيس التقدم في هذا القطاع الحيوي.
وقد أكد المؤشر الدولي ريادة المملكة المتصاعدة لعام 2025 ، أن المملكة حققت نتائج غير مسبوقة وضعتها ضمن المراكز الأولى عالميًا في مجالات ترتبط مباشرة بالنماذج المتقدمة وفرص العمل النوعية، مما يعكس نجاح السياسات الوطنية التي تسعى إلى تعزيز الاقتصاد المعرفي ودعم التحول الرقمي الشامل.
إنجازات عالمية تعكس تطور المنظومة التقنية في المملكة
أشار التقرير الدولي إلى أن المملكة حصلت على المرتبة الثالثة عالميًا في تطوير النماذج المتقدمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، إذ جاءت بعد الولايات المتحدة والصين في هذا المجال، مما يعكس قدرتها على منافسة القوى الكبرى عبر نماذج متطورة أبرزها نموذج لغوي رائد يعد من أفضل النماذج المتخصصة في اللغة العربية على مستوى العالم.
كما حققت المملكة المرتبة الثالثة عالميا في نسبة النمو الوظيفي المرتبط بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث جاءت بعد الهند والبرازيل، مما يدل على توسع سوق العمل الرقمي بشكل سريع وزيادة الطلب على المهارات المتقدمة التي تتماشى مع خطط الدولة، الرامية إلى بناء اقتصاد يقوم على المعرفة والابتكار، وهو ما يعزز رؤية مستقبلية تهدف إلى صناعة جيل قادر على قيادة التحول التقني.
ولم يتوقف تقدم المملكة عند هذين المجالين، فقد ظهرت ضمن الدول العشر الأولى في عدة مؤشرات أخرى تعكس جاهزية بيئتها الرقمية، إذ نالت المرتبة السابعة عالميًا في استقطاب المواهب المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، مما يؤكد قدرتها على جذب الخبرات الدولية بفضل بيئة تنظيمية وتقنية جاذبة، كما حصلت على المرتبة الثامنة عالميًا في الوعي المجتمعي بالذكاء الاصطناعي وفي عدد الدراسات العلمية المتخصصة وهو ما يشير إلى نمو واضح في مجتمع البحث والتطوير داخل المملكة.
وقد جاء هذا التقدم، نتيجة بناء منظومة متكاملة اعتمدت على توجيه الاستثمارات وتطوير الكفاءات وتعزيز البنية التحتية في مجال البيانات، إضافة إلى تطوير نماذج لغوية متقدمة، جعلت السعودية لاعبًا مؤثرًا في الساحة الدولية، مما قاد إلى هذا الإنجاز البارز الذي وضعها ضمن الدول الأكثر استعدادًا للابتكار في هذا العصر المتسارع.
ركائز النهضة السعودية في الذكاء الاصطناعي
اعتمدت المملكة على مسار متكامل لإعادة تشكيل منظومتها الابتكارية، عبر 5 محاور رئيسية، بدأت برؤية وطنية واسعة جعلت الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في خطط التحول الاقتصادي، حيث ارتبط بما يزيد على نصف أهداف الرؤية الوطنية، مما جعله مرتكزًا رئيسيًا في تنويع مصادر الدخل. ومع انطلاق جهة وطنية موحدة للبيانات والذكاء الاصطناعي، أصبحت الجهود أكثر اتساقًا والتنفيذ أكثر تنظيمًا عبر استراتيجية تسعى إلى وضع المملكة بين الدول المتقدمة في هذا المجال.
وركزت المملكة على تطوير المواهب المحلية، باعتبار الإنسان هو العنصر الحاسم في بناء القدرات التقنية، فأطلقت مبادرات واسعة لتأهيل مليون مواطن في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج تدريبية مكثفة ومعسكرات تعليمية متخصصة، بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية مرموقة، مما ساعد على تكوين جيل قادر على التعامل مع أكثر التقنيات تقدمًا، كما أسهم ذلك في جعل المملكة إحدى الوجهات الجاذبة للخبرات الدولية بفضل بيئتها الداعمة للابتكار.
وفي جانب البحث والتطوير، استثمرت المملكة في بناء نماذج متقدمة أبرزها نموذج لغوي يُعد من بين الأفضل في العالم العربي، مما عزز مكانتها الدولية ورفع تصنيفها في المؤشرات العالمية، كما أطلقت مبادرات نوعية تستهدف بناء منظومة كاملة تشمل تدريب المهندسين ودعم الشركات الناشئة وجذب الاستثمارات العالمية وتطوير حلول مبتكرة تخدم القطاعين العام والخاص، وهو ما يسهم في تأسيس قاعدة قوية لصناعة وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتولت المملكة تطوير بيئة تنظيمية متقدمة عبر أنظمة لحماية البيانات وسياسات واضحة، لتنظيم استخدام التقنيات، إضافة إلى بيئة تجريبية تسمح للشركات باختبار ابتكاراتها ضمن إطار آمن ومنظم، مما عزز الثقة وساعد على تحفيز المؤسسات المحلية والدولية على العمل داخل المملكة، كما شجع على إدماج الذكاء الاصطناعي في عدة قطاعات مثل المدن الذكية والمشاريع الكبرى والخدمات الحكومية التي شهدت تحولًا واسعًا بفضل اعتمادها المتزايد على التقنيات الذكية.
رؤية تؤسس لمستقبل تنافسي عالمي
لقد جاءت هذه الإنجازات نتيجة مسار واضح يعتمد على الاستثمار في المواهب، وتعزيز البنية التحتية وتطوير السياسات الداعمة للابتكار، مما جعل المملكة نموذجًا يحتذى في توظيف الذكاء الاصطناعي لبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة عالميًا، ومع استمرار هذا الزخم يتوقع أن تحافظ المملكة على موقعها المتقدم وأن تواصل دورها بوصفها إحدى القوى البارزة في مستقبل التقنيات الذكية.
ياقوت زهرة القدس بن عبد الله



