روبرتاج

عــيـد الـفـطـر بتلمسان

أكــلات وحــلـويــات تـقـلـيـديــة متوارثة عن العائلات... تــحـافــظ عــلـى مــكـانــتــهـا

حل علينا عـيد الفطر المبارك والعادة تقتضي استقباله بملابس العيد للأطفال وبالحلويات التقليدية المتعددة الأنواع والأسماء، حيث تستقبل العائلات التلمسانية مناسبة عيد الفطر المبارك بعدة عادات توارثتها عن الأجداد والآباء وببعض الوصفات لأكلات وحلويات تقليدية تحافظ عليها التلمسانيات على مر العصور.

إذ تتميز صبيحة عيد الفطر لدى العائلات التلمسانية، بالتقاء جميع أفرادها حول سينية القهوة المزينة بمختلف أنواع الحلويات، غير أنها تستهل إفطارها قبل التوجه لأداء صلاة العيد بحساء “التشيشة بالزعـتر”، ويتشكل هذا الحساء الأبيض اللون من “التشيشة” التي تعتبر مادة مستخرجة من القمح المطحون ويتم طهيها بعد تحضير مرق مكون من البصل المقلى في الزيت مع الملح والفلفل الأسود والماء، مع إضافة النبات العطري “الزعـتـر”.

حيث كانت في الماضي تدخل ضمن مكونات العولة التي تعدها النساء سنويا، ورغم بساطة هذا الحساء، إلا أن له فوائد صحية خاصة مع تغير نظام الغذاء مباشرة بعد شهر الصيام وذلك للحفاظ على توازن الجسم ومنع حدوث اضطرابات خلال صبيحة العيد نتيجة تناول الحلويات.

وقـد عـرفت السوق المغطاة لمدينة تلمسان خلال الأيام الثلاثة الأخيرة لشهر رمضان، إقبالا معتبرا للمواطنين على التشيشة ونبات الزعتر، تحضيرا لعيد الفطر يقتنونها لدى بعض النساء الريفيات اللواتي يجمعن هذا النبات ويقمن بطحن القمح لتحضير التشيشة في منازلهن.

وفي هذا الإطار، ذكرت السيدة “فاطمة الزهراء”، أنها اعتادت على تسويق هذه المواد وأعشاب طبية أخرى، خاصة في مثل هذه المناسبات، مبرزة بأنها تقطن بمنطقة بني سنوس الجبلية، أين تقوم بجمع هذه الأعشاب الطبية والعطرية وتحضر القمح وتعبئه في أكياس ذات وزن واحـد كيلوغرام لبيعها بحوالي 300 دج للكيس الواحد، و100 دج لما يعادل كأس كبير من الزعتر.

 

“الصامصة”،”المقروط” و”القريوش”.. حلويات ضرورية خلال العيد

 

تتباهى النساء في تلمسان بتحضير الحلويات التقليدية اللذيذة والجميلة المنظر، وتتنافسن في كيفية تحضيرها وتزيينها وتقديمها للضيوف، ولاتزال الأمهات تحرصن على تعليم بناتهن للحفاظ على كل ما تم توارثه عن الأجداد والأجيال السابقة، وتعتبر العادات التلمسانية هوية المنطقة، لذلك وجب الحفاظ عليها، فهي رغم السنين تأبى الاندثار والنسيان وحافظت على مكانتها في المنطقة.

وككل سنة، ومع بداية العد التنازلي لشهر رمضان، واقتراب حلول عيد الفطر المبارك، تشهد التحضيرات الخاصة بصنع حلويات العيد وتيرة متصاعدة تتميز بإعداد أو حجز طلبيات من أصناف مختلفة، تتنوع بين التقليد والعصرنة.

وفي هذا الإطار، تتفنن ربات البيوت في إعداد بعض الحلويات التقليدية التي لاتزال تحافظ عليها في مناسبة عيد الفطر كالقريوش والمقروط والصامصة باللوز، وهي حلويات تقليدية راقية تعرف بها المنطقة منذ القدم، والتي لا تغيب عن مائدة العائلة في هذه المناسبة تحديدا، وتحرص المرأة التلمسانية على تلبية أذواق أفراد العائلة خلال صناعة حلويات العيد غير أنه لا يمكنها أن تستغني عن هذه الأنواع من الحلويات التقليدية المصنوع بعضها من السميد وحشوة التمر واللوز، حيث إن تحضير هذه الحلويات كان في الماضي يتم جماعيا من قبل عدد من نسوة العائلة في وسط فناء المنزل وسط أجواء تصنعها هؤلاء النسوة تجمع فيها بين النكت والحكم والمقولات الشعبية… وغـيرها.

 

“الكعك التلمساني” يتسيّـد الحلويات التقليدية في عيد الفطر

تتـفــق جميع العائلات على أن الكعك التلمساني يبقى سيد طاولة الشاي أو القهوة خلال هذه المناسبة، ويتقدم باقي الأصناف التي تقدم للأحباب والضيوف، ويشكل بذلك الكعك قاسما مشتركا بين كل العائلات سواء منها الفقيرة أو الراقية وهو ما يزيد من قيمته ومكانته لدى أهل تلمسان.

ويبقى سكان تلمسان يحافظون على اقتنائه، والأكثر من ذلك، صناعته منذ عشرات السنين، بل ويفتخرون بأنهم ينفردون عن باقي جهات الوطن بهذا النوع من الحلوى التقليدية، ولا يكاد أي منزل يخلو منه طيلة أيام العيد، كما أن العديد من هذه العائلات تحبذ صناعـته وفق الطريقة التقليدية والتي لاتبدو أنها سهلة خاصة أن عجينته تعتبر من أكثر العجائن صلابة وتزيد من جماليته، بإضافة بعض المعطرات وفي مقدمتها حبه الحلاوة والسانوج.

كما أنه يتطلب مجهودات في تحضيره على الرغم من أن مكوناته محدودة جدا وفي متناول جميع العائلات، فيما تحبذ عائلات أخرى شراءه من محلات مختصة في بيع الكعك وفق الطريقة التقليدية، مما يزيد نكهته مضاعفة خاصة أنه يطهى على نار من الحطب والفحم وهي محلات توجد بوسط المدينة العتيقة وفي دروب وأزقة يمتد عمرها إلى أزيد من 5 قرون.

كما أن هذا النوع من الحلويات، يمكن الاحتفاظ به لعدة أسابيع في المنزل دون أن يتغير طعمه ولا مذاقه ولا حتى شكله مقارنة بالحلويات الأخرى، وتفتخر الأسرة التلمسانية بأنها تقدم للضيوف والأحبة الذين يزورونها خلال هذه المناسبات أطباق من الكعك مرفوقة بالشاي المعطر في منظر لا يكاد يكون إلا بتلمسان ونواحيها، ورغم مر العصور… تبقى مدينة تلمسان محافظة على النكهة الخاصة بمناسبة عيد الفطر ومناسبات أخرى بعادات وتقاليد تحمي بها الموروث الثقافي اللامادي من الاندثار.

 

صـنـاعــة حــلـوى الــعـيــد تتراجع بـبـعض الـبيـوت

 

تحولت الحلويات التقليدية في السنوات الأخيرة إلى اختصاص قائم بحد ذاته، حيث فتحت له فروع في قطاع التعليم والتكوين المهنيين ومدارس خاصة لتلقين فنون تحضيرها وتستقطب بالمقابل. فعديد الفضوليين الذين يتلقون أبجديات صنع الحلويات، كونها أصبحت في السنوات الأخيرة تجارة مربحة، خاصة بالنسبة للنساء الماكثات في البيوت.

وفي هذا الصدد، وجدت العديد من النسوة في تحضير الحلويات التقليدية مصدر دخل مربح في الوقت الذي وجدت فيه أخريات متنفسا يخلصهن من ضغط المناسبات الدينية والأسرية، بما فيها الأعراس والأفراح وغيرها، خاصة النساء العاملات اللواتي لا يجدن متسعا من الوقت لتحضير حلويات عيد الفطر المرتقب استقباله بعد أيام قلائل، فإما يقصدن المحلات المتخصصة لشراء البعض منها أو أن يشترطن على ”الحلواجيات” صناعة هذه الحلوى أو تلك بعد دفع مقابل مادي.

في السياق، اعترفت لنا “أم لطفي” أستاذة لغة فرنسية، أنها تفضل شراء أنواع معينة من الحلويات التقليدية لعيد الفطر بدل تحضيرها، ويعود السبب – حسب حديثها- إلى مرضها، ضف إلى ذلك التعب الكبير الذي نال منها طوال رمضان مما جعلها تستنجد بإحدى ”الحلواجـيات” وطلبت منها أن تحضر لها 3 أنواع من الحلويات بكميات محددة.

من جهتها، قالت “أم لقمان” أنها تفضل تحضير حلويات العيد بنفسها ولكنها ستكتفي بنوعين اثنين فقط بسبب الغلاء الكبير الذي مس لوازم تحضير الحلويات، فيما قالت ربة منزل أخرى، أنه حتى إذا كانت حلوياتها التي تعدها بنفسها لا ترقى لمستوى تلك التي تباع في المتاجر، إلا أنها مع ذلك تفضل تحضيرها بنفسها، كون تحضير حلويات العيد جزء من الاحتفال بعيد الفطر.

بالمقابل، تتجه نساء أخريات إلى خبيرات في الحلويات التقليدية والعصرية لتحضير حلويات العيد، من بين هؤلاء تحدثنا إلى السيدة “عائشة” ربة بيت، قالت إنها تلقت تكوينا في صناعة الحلويات في مدرسة خاصة، تشير إلى أنها اختارت هذا التكوين بسبب أرباحه، كما أكدت أنها ستحضر حلويات منزلية مشكلة بين المعسلة والمطلية والمسكرة وغيرها وستعرضها للبيع على النساء العاملات أو غير القادرات على صنع الحلوى لسبب أو لآخر، ”فعلت هذا انطلاقا من فكرة أن المرأة عليها استغلال مواهبها وقدراتها في تحسين دخل أسرتها… المعيشة تزداد غلاء وأسرتي في اتساع ولا يمكنني البقاء مكتوفة الأيدي أنتظر راتب زوجي التي لا تلبي كامل المتطلبات”، تقول المتحدثة.

هـذا وشهدت محلات صانعي الحلويات بتلمسان خلال الأسبوع الأخير من هذا الشهر الفضيل، إقبالا منقطع النظير خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان وقدوم عيد الفطر المبارك، وذكر مروان أحد بائعي الحلويات بحي إمامة أن أعدادا متزايدة من النساء يخترن شراء الحلويات بدل صنعها كما كان في السابق، مشيرا إلى أن النساء العاملات لسن الوحيدات المعنيات بشراء الحلويات، وهو ما تؤكده السيدة “هوارية” (43 سنة) وهي أم لخمسة أطفال منهم اثنان في سن صغيرة، قصدت محل بيع الحلويات، لما يقدمه من حلويات تقليدية ذات نوعية جيدة.

وصرحت هذه الزبونة، أنها في السابق كانت تتعب كثيرا في إعداد حلويات العيد، إلا أنها منذ سنوات قليلة لم تعد تطيق ذلك بالنظر إلى المسؤوليات الكبيرة التي على عاتقها كأم وكربة بيت قائلة “هذه المسؤوليات تأخذ كل وقـتي”، وهكذا، ومنذ سنوات، أصبحت هذه السيدة تشتري ما تحتاجه من حلويات من المحلات المختصة، مما يريحها من عناء صنع الحلويات الذي يتطلب أكثر من أسبوع.

إلا أن عملية شراء الحلويات من المحلات ليست كلها ذات مزايا، فمعادلة “الجودة ـ السعـر” ليست دوما مثيرة للاهتمام، فنوعية جيدة للحلويات بمختلف الألوان والأشكال تكلف الزبون ثمنا باهضا والحلويات الأرخص ثمنا تكون عادة أقل جودة، فالعائلات ذات الدخل المحدود، فليس لها إلا شراء حلويات جافة التي تباع بالكيلوغرام وهي حلويات أصبحت تباع أيضا بالأسواق الفوضوية وعلى طاولات الباعة المتجولين.

إعداد: ع. أمــيــر

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى