صيفيات

اللوح والصمغ إرث قرآني عريق يصمد أمام التكنولوجيا بكتاتيب ولاية النعامة

مع حلول العطلة الصيفية من كل عام، تستعيد كتاتيب القرآن الكريم بولاية النعامة حيويتها، حيث تتحول المساجد والزوايا والمدارس القرآنية إلى فضاءات عامرة بأصوات الأطفال، وهم يرتلون آيات الذكر الحكيم، في مشهد يعكس تمسك سكان المنطقة بإرث ديني وتربوي توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل.

فبعيداً عن ضجيج الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، لا يزال اللوح الخشبي والصمغ (المداد التقليدي) يحتفظان بمكانتهما، كوسيلتين أساسيتين في تعليم القرآن الكريم، ليشكلا جزء أصيلاً من الهوية الثقافية والدينية للجنوب الغربي الجزائري.

ومع بداية كل موسم صيفي، تفتح عشرات الكتاتيب القرآنية أبوابها عبر مختلف بلديات الولاية، سواء داخل المساجد أو الزوايا أو المدارس القرآنية، لاستقبال الأطفال الراغبين في حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وأحكام التجويد. وتحرص هذه المؤسسات على المحافظة على أساليب التعليم التقليدية التي أثبتت نجاعتها عبر الزمن، رغم التطور التكنولوجي الذي عرفته وسائل التعليم الحديثة.

وتعد مؤسسات قرآنية عديدة، على غرار مسجد “أبي بكر الصديق”، وزاوية “أحمد جبار” ومدرسة “عبد الله بن عباس”، من أبرز الفضاءات التي لا تزال تحافظ على هذا الإرث، حيث يتلقى المئات من الأطفال دروسهم بالطريقة التقليدية التي صنعت أجيالاً من حفظة القرآن والعلماء والأئمة.

 

اللوح مدرسة من خشب تحفظ كلام الله

ويظل اللوح الخشبي الأداة الأكثر ارتباطاً بالكتاتيب التقليدية، حتى أصبح رمزاً لحفظ القرآن الكريم في المنطقة. ويصنع عادة من أخشاب متينة مثل الأرز أو الزيتون أو البلوط أو غيرها من الأشجار المحلية، ثم يصقل بعناية حتى يصبح سطحه أملس يسهل الكتابة عليه.

ويأخذ اللوح شكلاً مستطيلاً أو مربعاً، ويزود بمقبض صغير أو ثقب علوي، يسمح للطالب بحمله أو تعليقه بعد انتهاء الدروس. وقبل الشروع في الكتابة، يقوم الطالب بتهيئة لوحه عبر غسله بالماء والطين المعروف محلياً بـ”المحي”، ثم يتركه ليجف قبل أن يصقله ويخط عليه سطوراً دقيقة باستعمال مؤخرة القلم حتى تكون الكتابة مستقيمة ومنظمة.

وتتحول عملية إعداد اللوح نفسها إلى درس في النظام والانضباط، حيث يتعلم الطفل المحافظة على أدواته والعناية بها، قبل أن يبدأ رحلته اليومية في نسخ الآيات الكريمة وحفظها، ثم يمحو ما أتقنه استعداداً لكتابة محفوظ جديد.

 

الصمغ مداد تقليدي يحمل عبق الماضي

ولا يكتمل المشهد داخل الكتاتيب دون القلم المصنوع من القصب، والمداد التقليدي المعروف محلياً باسم الصمغ أو السمق، وهو حبر يصنع بطريقة تقليدية من حرق صوف الأغنام أو مواد نباتية معينة، ثم يخلط بالماء حتى يصبح صالحاً للكتابة، ويوضع داخل قوارير صغيرة، يحتفظ بها الطلبة بجانب ألواحهم.

ورغم توفر الأقلام الحديثة، لا يزال كثير من الشيوخ يفضلون استعمال هذا المداد، لما يمنحه للطالب من إحساس بالارتباط بالموروث العلمي، الذي سار عليه العلماء والفقهاء عبر قرون طويلة.

تبدأ رحلة الطفل مع القرآن الكريم في سن الخامسة أو السادسة، عندما يقرر والداه إلحاقه بالكتاب بعد التأكد من استعداده للتعلم. وهناك يشرع في تعلم الحروف الهجائية، وبعد إتقان الحروف، ينتقل الطالب تدريجياً إلى حفظ قصار السور، بداية بسورتي الفاتحة والناس، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً نحو السور الأطول، بما يتناسب مع قدراته العمرية ومستوى استيعابه.

وعندما يطمئن الشيخ إلى تمكن الطالب من القراءة والكتابة، ينتقل إلى مرحلة أكثر تقدما تعرف بالإملاء، حيث يملي على كل طالب مقداراً من الآيات يتناسب مع قدرته على الحفظ.

فإذا أتقن الحفظ وأجاد التلاوة، يأذن له الشيخ بمحو اللوح استعداداً لكتابة محفوظ جديد في اليوم التالي، لتتكرر هذه الدورة التعليمية يومياً حتى يختم الطالب القرآن الكريم كاملاً.

 

مدرسة تربوية متكاملة

ولا يقتصر دور الكتاتيب على تعليم القرآن فحسب، بل تمثل مدرسة حقيقية في التربية والأخلاق، حيث يتعلم الطفل احترام المعلم، الانضباط، الصبر، النظافة، حسن الخط والاعتماد على النفس، إلى جانب غرس قيم التعاون والتواضع واحترام الوقت.

ويرى شيوخ المنطقة، أن اللوح الخشبي لا يقتصر على كونه وسيلة للكتابة، بل يمثل منهجاً تربوياً متكاملاً، إذ إن كتابة الآيات باليد، ثم تكرار قراءتها وحفظها، يسهم في تثبيت الحفظ وتنمية التركيز وتقوية الذاكرة بشكل يفوق الاعتماد على الوسائل الإلكترونية وحدها.

 

تراث حي يقاوم الاندثار

ورغم الثورة الرقمية التي طالت مختلف مجالات الحياة، ما تزال الكتاتيب القرآنية بولاية النعامة متمسكة بهذا الإرث العريق، إيماناً منها بأن الأصالة لا تتعارض مع الحداثة، وأن المحافظة على طرق التعليم التقليدية تمثل حفاظاً على جزء مهم من الهوية الثقافية والدينية للمنطقة.

ولا يزال كثير من أبناء الولاية يحتفظون بألواحهم الخشبية، بل وحتى بألواح آبائهم وأجدادهم، باعتبارها شاهداً على سنوات من الاجتهاد في حفظ القرآن الكريم، ورمزاً للعلم والتربية، وقطعة من الذاكرة الجماعية التي تختزن تاريخ الكتاتيب والزوايا في الجنوب الغربي الجزائري.

ابراهيم سلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى