
يشهد المجلس الرمضاني في الجزائر تحوّلات واضحة خلال السنوات الأخيرة، بفعل الرقمنة وتغيّر أنماط الحياة الأسرية، إلا أن الجوهر الروحي والاجتماعي للموسم يظل محفوظًا. فبين وهج الشاشات الصغيرة وإيقاع الحياة المتسارع، أصبح بعض أفراد العائلة يفضلون متابعة البث الرقمي أو تصفح منصات التواصل الاجتماعي، على المشاركة المباشرة في النقاشات والحكايات الرمضانية التقليدية، ما أعاد ترتيب شكل المجالس، دون أن يمس جوهرها القيمي.
وأكد السيد “حجاج خميسة”، محافظ التراث بالمتحف العمومي الوطني بالمنيعة، أن رمضان ظل مناسبة لإحياء “اللمة” العائلية، حيث كانت المجالس مساحة للحوار وتناقل القيم بين الأجيال. ورغم تراجع التفاعل المباشر لصالح المشاهدة الفردية عبر المنصات الرقمية، فإن مكالمات الفيديو والمجموعات الرقمية ساهمت في تعزيز التواصل مع الأقارب البعيدين، محدثة نوعًا جديدًا من القرب الافتراضي.
وأشارت السيدة “بن عمارة مبروكة”، مستشارة بمديرية الشباب والرياضة، إلى أن الرقمنة غيّرت الشكل أكثر من الجوهر، حيث انتقل البعض من مشاهدة البرامج الجماعية على القنوات التقليدية، إلى متابعة المحتوى الفردي عبر المنصات الرقمية، ومشاركة الأجواء الرمضانية عبر الصور والقصص الرقمية، واعتماد التطبيقات في تنظيم الوقت والوصفات وحتى إخراج الزكاة. ومع ذلك، أكدت أن التراث لا يُعاش إلا بالمشاركة الحيّة وليس بالاستهلاك الرقمي وحده.
ورغم هذه التحولات، ما تزال بعض مناطق الجنوب والهضاب العليا تحافظ على طابعها الجماعي، كما في المنيعة، حيث تتوارث الأجيال طقوس تحضير الحساء التقليدي، وطحن القمح والشعير، وتجفيف الأعشاب، مع ممارسة مراسم الإفطار والصلاة والمشاركة في “قعدة الشاي” التي تعيد تجديد الحكايات وتعزز القيم الاجتماعية. ويحتفظ الاحتفال بصيام الطفل الأول بأهميته الرمزية والاجتماعية عبر طقوس مثل تزيين كوب الحليب بالحناء.
كما اعتبر المتدخلان، أن الرقمنة ليست خصماً للتراث بل أداة لحفظه، من خلال توثيق الوصفات التقليدية وشهادات كبار السن، وإنشاء أرشيف رقمي للذاكرة الجماعية، مع مقترحات إطلاق سلسلة إعلامية بعنوان “رمضاننا كيف كان”، لتوثيق العادات والقيم الرمضانية بصيغة عصرية.
ويبقى المجلس الرمضاني مدرسة اجتماعية متجددة، يعيد ترتيب العلاقات وينقل القيم، بحيث يتحول الطعام إلى معنى والعادة إلى رمز. ومع حضور الشاشات الرقمية، يتشكل نموذج جديد يجمع بين حداثة الوسائل وأصالة الروح، ليظل رمضان موسمًا للتلاقي الحقيقي بين العائلة والمجتمع.
الهوصاوي لحسن



