الثـقــافــة

فنانو تيارت بين ذاكرة الإبداع وواجب ردّ الجميل

في اليوم الوطني للفنان..

يحلّ اليوم الوطني للفنان في الثامن جوان من كل سنة، وهي مناسبة لاستحضار مسيرة المبدعين الذين صنعوا مجد الثقافة الجزائرية، وأسهموا في بناء الوعي الوطني والفني عبر أجيال متعاقبة، وكذا محطة تستدعي الوقوف عند واقع الحركة الثقافية في مختلف الولايات، ومن بينها ولاية تيارت، التي أنجبت أسماء فنية وثقافية كبيرة تركت بصماتها في الذاكرة الوطنية.

فتيارت ليست مجرد ولاية عابرة في المشهد الثقافي، بل هي خزّانا للمواهب والإبداعات في مختلف المجالات الفنية، من الغناء الشعبي والأندلسي وأغاني “الغيوان”، إلى المسرح والأدب والفنون الموسيقية. غير أن الكثير من هؤلاء الفنانين يعيشون اليوم بعيداً عن الأضواء، في صمت يكاد يحجب ما قدموه من عطاء وإسهامات.

وعندما نتحدث عن الفن بتيارت، لا يمكن أن نغفل أسماء لامعة مثل الفنان والعازف الكبير “صادق بوزيان” و”عيسى قرنواط”، والمغني صاحب الأغنية الملتزمة “رضوان معاشي”،.كما نستذكر بكل تقدير الفنان والمثقف الكبير “شجرة منور” الذي أثرى الساحة الثقافية بكتاباته الساخرة والملتزمة، والتي تحولت العديد منها إلى أعمال فنية خالدة أداها فنانون مختلفون.

أما المسرح، فقد كان لتيارت فيه حضور مميز منذ البدايات الأولى للحركة المسرحية الوطنية، حيث برزت أسماء صنعت مجد الركح، على غرار المرحوم محمدي محمد الذي أبدع في مسرحية “علولة الصغير”، إلى جانب المونولوجيست “بن سعيد”، وغيرهم من الوجوه التي صنعت الابتسامة والوعي معاً. كما لا يمكن تجاهل مساهمة الدكتور “محمد بن عمار”، أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة “ابن خلدون”، الذي جمع بين العمل الأكاديمي والشغف المسرحي، وترك أثراً محترماً في هذا المجال.

والحقيقة أن قائمة المبدعين في تيارت، أطول من أن تُختزل في بضعة أسماء، فهناك من رحلوا إلى دار البقاء وتركوا إرثاً فنياً وثقافياً يستحق الحفظ والتوثيق، وهناك من لا يزالون بيننا يحملون ذاكرة أجيال كاملة من الإبداع والعطاء. وفي اليوم الوطني للفنان، يبقى أقل ما يمكن تقديمه لهؤلاء هو ردّ الجميل، من خلال استضافتهم على المنابر الإعلامية والثقافية، وتكريمهم، والاستماع إلى شهاداتهم وتجاربهم، حتى تتعرف الأجيال الجديدة على رجال ونساء صنعوا جزء مهما من تاريخ تيارت الثقافي والفني. فالأمم التي تحفظ ذاكرة مبدعيها، هي الأمم التي تحافظ على هويتها وتصون مستقبلها الثقافي.

 

اليوم الوطني للفنان

الثقافة في تيارت بين وفاء المبدعين وصناعة الواجهة

لا يكفي أن نتذكر الفنانين والمبدعين في المناسبات الرسمية فقط، ثم نطوي صفحاتهم بمجرد انطفاء الأضواء وانتهاء الاحتفالات. فالفنان الحقيقي لا يحتاج إلى يوم واحد في السنة ليُذكر، بل يستحق أن يكون حاضراً في الذاكرة الثقافية كل يوم، وفي كل نشاط وسهرة وملتقى، لأنه جزء من تاريخ الولاية وهويتها الثقافية.

إن ولاية تيارت تزخر برصيد ثقافي وفني كبير، صنعه رجال ونساء أفنوا أعمارهم في خدمة الفن، المسرح، الموسيقى والأدب، غير أن كثيراً من هؤلاء، أصبحوا اليوم شبه مجهولين لدى الأجيال الجديدة، ليس لأنهم لم يبدعوا، بل لأن أعمالهم وتجاربهم لم تجد من يحفظها ويعرّف بها ويجعلها حاضرة في المشهد الثقافي المعاصر. ومن واجب القائمين على قطاع الثقافة أن يعملوا على رد الاعتبار لهؤلاء الفنانين، عبر توثيق مساراتهم، واستضافتهم في الفضاءات الثقافية، وإشراكهم في التظاهرات واللقاءات الفكرية والفنية، والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم. كما أن على وسائل الإعلام المحلية والوطنية، أن تؤدي دورها في التعريف بهذه القامات التي صنعت جزء مهما من تاريخ تيارت الثقافي.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال ظاهرة أصبحت تثير الكثير من التساؤلات، وهي بروز بعض الوجوه التي وجدت طريقها إلى الواجهة بفضل الفوضى والعشوائية في التسيير الثقافي، لا بفضل الإنتاج والإبداع الحقيقي. فأصبح المشهد في بعض الأحيان يمنح المساحة لمن يجيد الظهور أكثر ممن يجيد العطاء، ولمن يبحث عن المصلحة الشخصية أكثر ممن يحمل رسالة ثقافية وفنية نبيلة.

إن الثقافة لا تُبنى بالارتجال، ولا تُقاس بعدد الصور والمنشورات، بل بما تتركه من أثر في المجتمع. والمبدع الحقيقي هو من يترك عملاً يبقى بعده، لا من يكتفي بالظهور المؤقت ثم يختفي بانتهاء المناسبة. لقد آن الأوان لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع الكفاءة والإبداع والالتزام في صدارة المشهد الثقافي، حتى لا تضيع ذاكرة الولاية بين التهميش والنسيان، وحتى لا يُترك المجال للانتهازية الثقافية لتحتل مكان من صنعوا المجد الحقيقي للفن والثقافة في تيارت. فالوفاء للمبدعين ليس ترفاً، بل واجب أخلاقي وثقافي، وحفظ الذاكرة الفنية هو في النهاية حفظ لذاكرة المجتمع نفسه.

يوم الفنان بين رمزية المناسبة وغياب التحضير

يُعد الثامن من جوان من كل سنة موعدا وطنيا مميزا، للاحتفاء بالفنان الجزائري واستذكار تضحيات المبدعين الذين ساهموا في الدفاع عن الهوية الوطنية بالكلمة واللحن والمسرح والفن بمختلف أشكاله، وهو اليوم الذي ارتبط بذكرى استشهاد الفنان والمناضل الشهيد “علي معاشي” ورفاقه، ليبقى رمزاً للفن الملتزم وللثقافة الوطنية المقاومة. غير أن ما يثير التساؤل هذه السنة هو الغياب شبه التام لمظاهر التحضير لهذه المناسبة، مقارنة بما كان يحدث في سنوات سابقة، حيث كانت التحضيرات تنطلق قبل أسابيع، بل وأشهر أحياناً، من خلال الندوات واللقاءات الثقافية والإعلانات الرسمية والبرامج المخصصة للاحتفال بيوم الفنان.

فالمتصفح للصفحات الرسمية والفضاءات الثقافية، يكاد لا يعثر على ما يذكر بهذه المناسبة الوطنية المهمة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام عديدة حول مكانة هذا الحدث في أجندة الفعل الثقافي المحلي، وحول مدى الاهتمام بالحفاظ على الذاكرة الفنية الوطنية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

لقد كان من التقاليد الجميلة المرتبطة بهذه المناسبة تنظيم لقاءات مع الفنانين والمبدعين، واستحضار مسيرة من رحلوا منهم، وزيارة عائلات الرموز الثقافية والفنية التي صنعت تاريخ المنطقة والوطن. كما كانت المناسبة فرصة للتذكير بمسيرة الشهيد “علي معاشي”، والتعريف بمواقفه الوطنية وإبداعه الفني، حتى يبقى حاضراً في ذاكرة الشباب الذين قد لا يعرف الكثير منهم اليوم سبب اختيار الثامن من جوان عيداً للفنان.

إن إحياء يوم الفنان لا ينبغي أن يقتصر على حفلات بروتوكولية، أو كلمات عابرة، بل يجب أن يكون مناسبة للتأمل في واقع الثقافة، واستحضار رموزها، وتكريم من خدموا الفن بإخلاص، والتعريف بتاريخهم وإسهاماتهم.

إن يوم الفنان ليس مجرد تاريخ في الرزنامة الوطنية، بل هو محطة للوفاء والعرفان، وفرصة لترسيخ الذاكرة الثقافية ونقلها من جيل إلى جيل. لذلك، فإن الحفاظ على رمزية هذه المناسبة وإعطاءها ما تستحقه من اهتمام يبقى مسؤولية جماعية تقع على عاتق المؤسسات الثقافية والإعلامية والفنانين والمجتمع بأسره

يوم الفنان.. رسالة تقدير للمبدعين وحراس الهوية الوطنية

وفي هذا السياق، جاءت تغريدة رئيس مجلس الأمة، “عزوز ناصري”، عبر حسابه الخاص، لتؤكد المكانة الرفيعة التي يحظى بها الفنان في المجتمع الجزائري، حيث توجه بتحية تقدير وإجلال إلى الفنانين والمبدعين الذين يواصلون أداء رسالتهم النبيلة في الحفاظ على الهوية الوطنية وصون الموروث الثقافي وترسيخ الأصالة في نفوس الأجيال.

إن هذه الرسالة تحمل دلالات عميقة، لأنها تعترف بالدور المحوري الذي يؤديه الفنانون في بناء الوعي الجماعي وتعزيز قيم الانتماء للوطن. فالفنان ليس مجرد مؤدٍ أو صاحب موهبة، بل هو حامل لرسالة ثقافية وحضارية تسهم في نقل التراث والمحافظة على الخصوصية الثقافية للمجتمع.

ويبقى يوم الفنان مناسبة وطنية بامتياز للتأكيد على أن الإبداع ليس ترفاً، بل هو ركيزة من ركائز بناء الأمم وحفظ ذاكرتها، وأن الفنانين والمبدعين سيظلون دائماً حراساً للهوية الوطنية وسفراء للأصالة والقيم النبيلة التي تميز المجتمع الجزائري.

ج. غزالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى