تزامنًا مع احتفالات أنصار اتحاد بلعباس بذكرى ميلاد فريقهم العريق داخل الملعب البلدي الإخوة عماروش، عادت الذاكرة الجماعية لمدينة سيدي بلعباس لتستحضر 93 سنة من التاريخ، 93 سنة من العشق الذي لم يخفت بريقه رغم تعاقب الأزمنة.
اتحاد بلعباس، اسمٌ محفور في خريطة كرة القدم الجزائرية منذ فيفري 1933، لم يكن مجرد فريق وُلد لممارسة كرة القدم، بل كيانٌ تشكّل من رحم النضال والهوية. بدأت الحكاية من فريق العباسية، ثم النجم الرياضي الإسلامي لبلعباس في القرن العشرين، قبل أن يتجسد الميلاد الحقيقي لـ”المكرة”، الفريق الذي صمد في زمن الاستعمار وواصل المسيرة بعد الاستقلال، حاملاً ألوان مدينة بأكملها. تعاقب على قيادته رجال صدقوا العهد، منهم من رحل عن دنيانا وترك أثرًا طيبًا (رحمهم الله)، على غرار المؤسس المرحوم سلام علي، وأول رئيس للفريق المرحوم لعسولي مولاي علي، ثم المرحوم بن ديمراد بلقاسم والدكتور حساني عبد القادر، وغيرهم ممن ما زالوا أحياء (أطال الله في أعمارهم). كما مرّ على دكة الفريق مدربون كبار، محليون ووطنيون وأجانب، آخرهم الفرنسي جون قي والام ثم التونسي معز بوعكاز، فيما حمل ألوان الاتحاد لاعبون كبار من جنسيات مختلفة، من بينهم المغربي الأسطورة العربي بن مبارك، ولاعبون تونسيون وأفارقة وعرب، صنع بعضهم أسماءهم داخل هذا الصرح العريق.
أمجاد محفورة في الذاكرة… كؤوس وإنجازات لا تُنسى
على امتداد مسيرته، عرف اتحاد بلعباس محطات مضيئة خلدت اسمه في سجل الكرة الجزائرية. تُوّج الفريق بكأس الجمهورية مرتين، الأولى سنة 1991 في عهد الرئيس المرحوم بن سنادة الجيلالي وبقيادة الطاقم الفني عبدي الجيلالي ومساعده قاضي عباس، والثانية سنة 2018 في عهد الحاج حسناوي عكاشة، وبإشراف الطاقم الفني شريف الوزاني رفقة حفاف، الهاشمي بن خدة وزموري. كما أضاف إلى خزائنه كأس السوبر سنة 2019 تحت قيادة المدرب بوزيدي ومساعديه زوبا الجيلالي وبن عدلة. ولم تخلُ المسيرة من إشراقات أخرى، إذ تُوّج الفريق بكأس الجمهورية مرتين في صنف الأواسط، وشارك قارّيًا في كأس الكؤوس الإفريقية وكأس الكاف، مؤكّدًا حضوره خارج الحدود. أرقام الفريق تعكس حجم التجربة 26 موسمًا في القسم الأول دون تتويج بالبطولة، 803 مباراة، 253 فوزًا، 251 تعادلًا، و299 خسارة، برصيد 1155 نقطة. وفي القسم الثاني، لعب 29 موسمًا، تُوّج خلالها بخمس بطولات، وحقق الصعود إلى حظيرة الكبار سنوات 1966، 1980، 1988، 1993 و2014، إضافة إلى 857 مباراة، 354 فوزًا، 290 تعادلًا، و213 خسارة، بمجموع 1430 نقطة، أرقام تروي قصة نادٍ عاش بين الصعود والتحدي.
جمهور وفيّ… حين يبقى العشق أقوى من الأزمات
ورغم كل هذا التاريخ، لم يسلم اتحاد بلعباس في السنوات الأخيرة من الأزمات المالية والإدارية التي أثقلت كاهله، وجعلته يتدحرج في ظرف وجيز من حظيرة الكبار إلى القسم الثاني، ثم إلى القسم الثالث، ليستقر حاليًا في قسم ما بين الرابطات منذ أربع سنوات. ورغم دعم السلطات المحلية التي لم تُدر ظهرها للفريق، بقيت الجراح مفتوحة، لكن ما لم ينكسر أبدًا هو وفاء الأنصار. جماهير “ليسامبيا” أو “القِرْبة” ظلت حاضرة في المدرجات، داخل الولاية وخارجها، وفي المهجر أيضًا، من مختلف الفئات العمرية، شبابًا وكهولًا ونساءً، يساندون فريقهم في السراء والضراء. احتفالهم بعيد ميلاد النادي، بإشعال الشماريخ وترديد الأهازيج، لم يكن مجرد طقس احتفالي، بل رسالة حب ووفاء، مفادها أن اتحاد بلعباس أكبر من أزمة، وأقوى من سقوط، وأن هذا الكيان العريق، بتاريخ رجاله وجمهوره، سيعود يومًا إلى مكانته الطبيعية في خريطة كرة القدم الجزائرية، لأن العشق الحقيقي لا يسقط.
فتحي مبسوط



