
احتضنت جامعة النعامة لقاءً علميًا جمع نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في مجال التراث، من تنظيم كلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية بالتنسيق مع مديرية الثقافة ،و مخبر الدراسات الإنسانية والاجتماعية، انتهى إلى جملة من التوصيات المحورية، في مقدمتها الدعوة إلى رقمنة الموروث الثقافي للمنطقة، باعتبارها خطوة ضرورية لحمايته وضمان استمراريته، في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتداخل فيه الثقافات تحت تأثير العولمة. حيث يعود النقاش حول صون التراث الثقافي إلى الواجهة، خاصة في مناطق تزخر بذاكرة حضارية عميقة على غرار الجنوب الغربي الجزائري.
وأكد المشاركون أن ولاية النعامة، بما تحويه من معالم تاريخية ومخزون ثقافي متنوع، تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية، ما يستوجب توثيقه بوسائل حديثة تواكب العصر. وشددوا على أن الرقمنة لم تعد خيارًا تقنيًا فحسب، بل أصبحت رهانًا استراتيجيًا لحفظ الذاكرة الجماعية من الاندثار، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها العولمة والتغيرات الاجتماعية المتسارعة.
هذا اللقاء الذي أعطى اشارة انطلاقته البروفيسور “مبخوت بودواية” عميد كلية العلوم الانسانية والاجتماعية وبحضور مدير الثقافة “محمد قمومية”، كان في جلستين علميتين، عكستا ثراء المقاربات وتنوع زوايا المعالجة. ففي الجلسة الأولى، التي ترأسها الدكتور “موساوي المجدوب”، انصب النقاش على التراث المادي في الجنوب الغربي، حيث تمت مقاربة تأثيرات العولمة على الموروث الثقافي، مع التأكيد على مسؤولية الأجيال في صون الهوية. كما تم التطرق إلى أهمية إعداد خرائط تراثية كآلية علمية لحماية المواقع التاريخية، إضافة إلى إبراز الدور الحيوي الذي تضطلع به المرأة في نقل وحفظ الموروث الثقافي عبر الأجيال.
أما الجلسة الثانية، برئاسة الدكتور “عبد الغاني رتيمة”، فقد ركزت على آفاق توظيف التكنولوجيا في خدمة التراث، حيث ناقش المتدخلون سبل رقمنة الموروث الثقافي ضمن رؤية مستدامة، واستعرضوا دور الأدوات الرقمية الحديثة في التوثيق والحفظ. كما تم التطرق إلى استخدام التقنيات الجيوماتيكية في رصد التعرية وحماية المواقع الأثرية، إلى جانب إبراز البعد الاقتصادي للقصور الصحراوية باعتبارها موردًا واعدًا للتنمية المحلية.
ولم يقتصر اللقاء على الطرح النظري، بل حمل في طياته دعوة صريحة إلى تفعيل الشراكات بين الجامعة والهيئات الثقافية والمؤسسات المعنية، من أجل إطلاق مشاريع رقمية متكاملة تُعنى بجرد وتوثيق وتصنيف التراث، وتحويله إلى مادة معرفية متاحة للأجيال القادمة.
وفي ختام هذا اللقاء أكد مدير الجامعة “بوعقادة عمر” على أهمية مرافقة التكنولوجيا الحديثة جنبا الى جنب التراث الثقافي وذلك بحفظه ورقمنته، باعتبارها من التحديات الجديدة، ويبقى هذا النوع من المبادرات بمثابة خطوة ضرورية نحو إعادة الاعتبار لذاكرة المكان، وتحويلها من إرث مهدد إلى رافد حيّ يساهم في بناء المستقبل.
ابراهيم سلامي



