
ما تزال المرأة الجزائرية تصنع الجدل بتقمصها لمختلف الأدوار التي تنسب لها، سواء اعتياديا في النسق المتعارف عليه أو التقليدي كالأسرة، إلى تلك الأدوار التي اقتنصتها تبعا للمتغيرات الخارجية، والتي ألقت بظلالها عليها، مما أخرجها من الوضعية التقليدية إلى الوضعية الحديثة في خضم التطورات الحاصلة في كل المجالات. وفي هذا الإطار، نظمت “فرقة بحث الشباب والأسرة والصحة الإنجابية “، التابعة لـ”مخبر استراتيجيات السكان والتنمية المستدامة” بكلية العلوم الاجتماعية، قسم علم السكان، بجامعة وهران2، “أحمد بن حمد”، ملتقى وطنيا موسوما بـ “التغيرات السوسيوثقافية في المجتمع الجزائري وانعكاساتها على وضعية المرأة”، تحت شعار “المرأة من موضوع التغيير إلى مركز صناعة التغيير في المجتمع الجزائري”.
وحسب الدكتور “نوال بوجملين”، رئيسة الملتقى، فإن هذا الأخير جاء في سياق الاهتمام المتزايد بدراسة التغيرات التي يشهدها المجتمع الجزائري، في مختلف المجالات الاجتماعية، الثقافية والتكنولوجية وما يفرزه من انعكاسات على مختلف الفئات الاجتماعية وفي مقدمتها المرأة، باعتبارها شريكا أسياسيا في التنمية وفاعلا محوريا في الأسرة والمجتمع.
وأضافت الدكتور “نوال بوجملين”، في تصريحها لجريدة “البديل”، أن المرأة التي تسعى إلى استمرارية هويتها ومكانتها في خضم هذه التغيرات المتسارعة، التي خلقت نماذج وتشكلات جديدة لصورة المرأة الجزائرية، سواء من حيث علاقاتها وأدوارها الاجتماعية وهويتها ونمط حياتها واهتماماتها وحتى تطلعاتها المستقبلية. مردفة أن الملتقى، يهدف إلى نقل واقع المرأة الجزائرية المعاصرة بقراءة علمية متعددة التخصصات السوسيولوجية، الأنثروبولوجية، النفسية والديمغرافية .
وفي هذا الإطار، تداول عديد الأساتذة والباحثين من مختلف جامعات الوطن، بتناول الموضوع بكثير من الإسهاب والتعمق، في محاولة لإثارة كل نقاط الظل والمعطيات الهامشية التي لها دورا في التغيرات التي تطرأ على المرأة، وعلى أدوارها في الحياة اليومية.
التحولات السوسيولوجية والثقافية في المجتمع الجزائري، وآثارها على الأوضاع النسوية
وفي هذا الخصوص، تطرق الأستاذ “محمد بن وزاني”، متقاعد من كلية العلوم الاجتماعية، قسم علم السكان، جامعة “وهران2”، إلى التحولات البنيوية العميقة التي مست مختلف أبعاد المجتمع الجزائري، الديمغرافية، الاجتماعية والثقافية منذ الاستقلال، والتي أثرت في تنظيمه السكاني، وفي أنماط التنشئة الاجتماعية، وفي أنساقه المعيارية، كما أعادت تشكيل آليات إعادة الإنتاج الاجتماعي داخله.
مضيفا أن التحضر المتسارع، اتساع التمدرس، الانتقال الديمغرافي، التوسع التدريجي للعمل المأجور وانتشار وسائل الإعلام، ثم التوسع السريع للتكنولوجيات الرقمية، أثر في إعادة رسم العلاقات الاجتماعية بصورة مستمرة. ولم تقتصر آثار هذه التحولات على المجال المؤسسي فحسب، بل امتدت إلى الحياة اليومية، وإلى أنماط التفاعل الاجتماعي، وإلى إعادة تعريف الأدوار والتمثلات الاجتماعية المرتبطة بالأسرة، وبالسلطة، وبالعلاقات الاجتماعية بين الجنسين.
مردفا أنه من بين المجالات التي تتجلى فيها هذه التحولات بوضوح خاص، تبرز الأوضاع النسوية باعتبارها مدخلاً تحليلياً مركزياً لفهم عمليات إعادة التشكل التي يعرفها المجتمع الجزائري المعاصر. ذلك أن أوضاع النساء تتحدد عند تقاطع ديناميكيات متعددة تشمل التحولات الاقتصادية، التغيرات الثقافية، إعادة تركيب البنية الأسرية والتحولات المعيارية. فضلاً، عن التوتر القائم بين استمرارية البنيات الأبوية ومسارات التحديث الاجتماعي.
مختتما تدخله بالإشارة إلى التغييرات العميقة في الشروط الاجتماعية التي تتشكل ضمنها المسارات النسوية، التي أفضت إليها التحولات السوسيولوجية والثقافية التي عرفها المجتمع الجزائري منذ الاستقلال. فقد أسهم الانتقال الديمغرافي، التحضر، التوسع في التمدرس، التحولات الأسرية والاندماج الجزئي للنساء في النشاط المهني، فضلاً عن تعدد المرجعيات الثقافية وتنامي أثر التكنولوجيات الرقمية، في إعادة تحديد مواقع النساء داخل الفضاء الاجتماعي.
موضحا أن هذه التحولات، تظل موزعة بصورة غير متكافئة اجتماعيا ومجاليا، كما تظل محكومة باستمرار توترات معيارية وبنيوية قائمة، داعيا إلى مواصلة البحث في الروابط القائمة بين التحول الديمغرافي، التمايز الاجتماعي، علاقات النوع الاجتماعي والتحولات الثقافية، وخصوصاً في العلاقة الجديدة بين التحولات الرقمية وإعادة تعريف السلطة داخل الأسرة.
معوقات القيادة النسوية في المجتمع الجزائري ـ مدخل سوسيو ثقافي
من جهتهما، سلّط كل من الدكتورين “كريمة بن قومار” و”السعيد رقاقدة”، من قسم علم الاجتماع والديمغرافيا بجامعة غرداية، الضوء على معوقات القيادة النسوية في المجتمع الجزائري، التي تحدّ من بروز القيادة النسوية في المجتمع الجزائري، من مدخل سوسيو- ثقافي.
حيث أوضح الدكتوران، أنه رغم التحسن الملحوظ في مستويات تعليم النساء ومشاركتهن في سوق العمل، إلا أن حضورهن في مواقع صنع القرار لا يزال محدودًا، لذلك اعتمدت في دراستها على مدخل سوسيو ـ ثقافي لفهم تأثير القيم الثقافية، وأدوار النوع الاجتماعي، والبُنى المؤسسية في تشكيل فرص القيادة النسوية في ظل مفاهيم مثل النظام الأبوي والسقف الزجاجي التي تساهم في تفسير كيفية إسهام التمثلات الاجتماعية والتوقعات التقليدية في إعاقة تقدم النساء.
مشيران، أن النتائج أظهرت أن ضعف تمثيل النساء في مواقع القيادة لا يرتبط بنقص الكفاءة، بقدر ما يعكس استمرار اختلالات بنيوية وثقافية راسخة في المخيال الاجتماعي، منتهية في مداخلتها بضرورة تبني مقاربات شاملة تستهدف تغيير التصورات الاجتماعية وإصلاح الأطر المؤسسية، في إطار استراتيجية وطنية معيارية تعيد النظر في النوع الاجتماعي.
تحول أدوار المرأة الجزائرية من الدور التقليدي إلى الدور القيادي
كما عرف الملتقى، تدخلا من طرف الدكتور “عائشة خرصي”، مختصة في إدارة الموارد البشرية ـ علوم التسيير ـ بتحليل لتحول أدوار المرأة الجزائرية من الدور التقليدي إلى الدور القيادي، من خلال مقاربة نظرية وصفية تركز على التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجزائري.
وتنطلق المداخلة من فكرة أساسية، مفادها أن دور المرأة في الجزائر لم يعد محصورا في المجال الأسري، بل اتسع تدريجيا ليشمل التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة ومواقع المسؤولية.
وقد بينت المداخلة أن هذا التحول ارتبط بعدة عوامل، أهمها تعليم المرأة ودخولها إلى سوق العمل، إضافة إلى السياسات والتشريعات الداعمة ووسائل الإعلام والتكنولوجيا والانفتاح الثقافي. كما أوضحت أن بروز المرأة الجزائرية في مجالات متعددة، يعكس انتقالها من موقع المشاركة إلى موقع التأثير، غير أن هذا الانتقال لا يزال يواجه تحديات اجتماعية وتنظيمية منها استمرار الصور النمطية وصعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية وضعف الوصول إلى المناصب العليا.
واختتمت المداخلة، إلى أن مستقبل القيادة النسوية في الجزائر، يرتبط بمدى تحويل الحضور التعليمي والمهني للمرأة إلى قيادة فعلية داخل مراكز القرار، من خلال تعزيز التمكين المؤسسي، تكافؤ الفرص وتطوير الثقافة التنظيمية والاجتماعية الداعمة لدور المرأة القيادي.
تحولات أدوار المرأة الجزائرية: المرأة والأسرة بين الأدوار التقليدية والحديثة
وبالحديث عن الأدوار التقليدية والحديثة للمرأة في المجتمع الجزائري، أكدت “حفيظة طالبي”، أستاذة محاضرة “أ”، في تخصص علم الاجتماع، بالمركز الجامعي “نور بشير”، بالبيض، أن المرأة تتمتع بمكانة هامة داخل المجتمع بصفة عامة وداخل أسرتها بصفة خاصة، وقد اهتمت العديد من الدراسات بعمل المرأة كونه ظاهرة حديثة وقديمة في نفس الوقت، نظرا لانشطار دورها بين الأسرة والعمل، محاولة تحقيق التوازن بين عملها وواجباتها المهنية ودورها في إدارة أسرتها.
إلا أنه، وبسبب التغير الاجتماعي الذي يحدث داخل المجتمع، تغيرت أدوار المرأة في أسرتها، مما أدى إلى عدم الاستقرار، ونقص في إدراك مسؤولياتها اتجاه أفراد أسرتها. مشيرة، أن المجتمع الجزائري عرف تحولات عديدة وفي كافة المجالات عملت على تغيير مكانة وأدوار المرأة وعلى العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة بصفة عامة، وعمل المرأة ليس بالظاهرة الجديدة ولكن هذه التغييرات دفعت المرأة إلى ممارسة أدوار إضافية فقد ساهمت في النشاط الاقتصادي خارج الأسرة وفي النشاط الاجتماعي داخل الأسرة مما جعلها تكتسب مكانة هامة وفعالة.
مشيرة أنه بسبب التغير الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي وعوامل أخرى عاشها المجتمع الجزائري مؤخرا، أصبحت المرأة عنصرا مشاركا في التنمية الاقتصادية، مشاركا في القرارات السياسية، ناشطا في المجتمعات المدنية ومشاركا في اتخاذ القرارات الرئيسية داخل الأسرة، بالحوار والنقاش والعاطفة ومسؤولة عن مصير أفراد أسرتها من خلال تواجدها في محيط أسرتها وتواجدها في محيطها المهني على سواء.
واختتم الملتقى الذي عرف مداخلات حضورية وأخرى عن بعد، نقاشات مستفيضة، خلصت إلى أن المعلومات التي انتهى إليها المتدخلون تستحق الاهتمام من طرف الجهات المعنية للاطلاع عليها، ومحاولة بحث سبل تبنيها، في إطار استغلال المعلومة الأكاديمية (البحوث والدراسات الجامعية) في تطور المجتمع وباقي المجالات، بما يخدم تقدم البلاد.
أعدته: ميمي قلان



