
بدأت الجزائر تشهد تحولًا مهمًا في كيفية إدارة وتسيير الحدائق العامة في السنوات الأخيرة، وذلك من خلال إدخال التكنولوجيا الرقمية في هذا القطاع، وذلك في إطار سعي السلطات لتحسين جودة الخدمات المقدَّمة للمواطنين وتعزيز الاستدامة البيئية في المدن.
حيث تعتمد الرقمنة في الحدائق العامة على استخدام نظم ذكية تشمل الاستشعار عن بعد، وتطبيقات الهاتف المحمول، وأنظمة إدارة معلومات مترابطة قادرة على تتبع مختلف الأنشطة داخل الحديقة، من مستوى المياه في أحواض النباتات إلى جداول الصيانة وتنبيه الفرق المختصة عند الحاجة، وهو ما يمنح الإدارات البلدية رؤية أكثر دقة وشمولًا حول الوضعية الحقيقية لكل مساحة خضراء.
استخدام تطبيقات ذكية موجهة للمواطنين
ومع انتشار هذه التكنولوجيا، يمكن للبلديات مراقبة استهلاك الموارد مثل المياه والكهرباء، وتحليل البيانات لاكتشاف الأنماط والعوامل المؤثرة في صحة المساحات الخضراء، مما يساعد على اتخاذ قرارات سريعة ومرتبطة بالواقع وتفادي المشاكل قبل تفاقمها.
كما أصبحت بعض المدن تستخدم تطبيقات ذكية موجهة للمواطنين أنفسهم، تمكن الزائر من الحصول على معلومات فورية حول الحديقة التي يزورها، مثل موقع المرافق العامة (كالمقاعد وأماكن اللعب ومسارات المشي)، وحالة وجود فعاليات أو أنشطة، وأوقات العمل، فضلاً عن إمكانية تقديم ملاحظات مباشرة لإدارة الحديقة.
وتساهم هذه التطبيقات في تعزيز التواصل بين الجمهور والجهات المسؤولة، إذ تسمح للمواطنين بالإبلاغ عن الأعطال أو الاقتراحات، في حين يمكن للمسؤولين الإجابة عليها بسرعة، ما يعزز روح المشاركة المدنية ويزيد من رضى الزوار عن الخدمات المقدمة.
وقد ساعدت الحساسات المثبتة في التربة وأبراج الإنارة الذكية المزودة بتقنيات إنترنت الأشياء في تحسين رصد العوامل البيئية، مثل جودة الهواء والرطوبة، مما يتيح تنفيذ برامج ري ذكية تتكيف مع احتياجات النباتات الفعلية دون هدر للمياه، في خطوة مهمة نحو تحقيق مراعاة بيئية أفضل وتقليل استعمال الموارد الطبيعية.
تمكين المخططين من تحليل البيانات
وعلى مستوى التخطيط الحضري، ساهمت الرقمنة في تمكين المخططين من تحليل البيانات المجمعة من الحدائق المختلفة لتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخلات صيانة مستعجلة أو لإطلاق مشاريع جديدة تلبي احتياجات السكان، وتساعد كذلك في تقييم أثر التشجير والمساحات الخضراء على جودة الحياة في المدن. وقد شجعت هذه المبادرات العديد من البلديات على اعتماد نظم إدارة رقمية مركزية تجمع بيانات كل الحدائق في المنظومة، مما يوفر رؤية موحدة تساعد في توجيه الميزانيات والموارد بطريقة أكثر فعالية.
وتعمل هذه النظم الرقمية أيضًا على تقليل الاعتماد على الأداء اليدوي في الصيانة اليومية، وهو ما يقلل من الأخطاء البشرية ويساهم في تسريع الخدمات المقدمة للمواطنين، مع إمكانية إعداد تقارير دورية تُستخدم في التقييمات الرسمية ودعم القرارات الاستراتيجية.
دعم أنشطة تعزيز التوعية البيئية
كما لعبت رقمنة الحدائق العامة دورًا في دعم أنشطة تعزيز التوعية البيئية بين الزوار، إذ أُطلقت شاشات رقمية ولوحات معلومات إلكترونية في بعض المواقع تُعرّف المستخدمين بأهمية الحفاظ على البيئة وبالممارسات الصديقة للطبيعة، مثل التدوير وترشيد استهلاك المياه، مما يعزز ثقافة الحفاظ على المساحات الخضراء بين أفراد المجتمع.
وبالتالي، فإن هذا التحول ليس مجرد تحديث تقني فحسب، بل يشكل ركيزة لتحديث شامل في منظومة الخدمات الحضرية يهدف إلى تحسين جودة الحياة، تعزيز الاستدامة، وتحفيز المجتمع على المشاركة الفعلية في الحفاظ على البيئة وتحسين المرافق العامة.



