
- فرقــة “نــومــيـروس” للــمـسـرح بـمـغـنـيـة… الاحـــتـــفـاء بــفــن يـــعــطــي مــعــنــى للــواقــع
يوافـق 27 مارس من كل سنة، اليوم العالمي للمسرح، حيث يحتفل المسرحيون في جميع دول العالم باليوم العالمي للمسرح في سنته الـ65، حيث ولد اليوم العالمي للمسرح إثر مقترح قدمه رئيس المعهد الفلندي للمسرح الناقـد والشاعر والمخرج “أرفي كيفيما” (1904- 1984)، إلى منظمة اليونسكو في جوان 1961.
وجرى الاحتفال الأول في 27 من مارس 1962 بباريس، تزامناً مع افتتاح مسرح الأمم، واتفق على تقليد سنوي يتمثل بأن تكتب إحدى الشخصيات المسرحية البارزة في العالم، بتكليف من المعهد الدولي للمسرح، رسالة دولية تترجم إلى أكثر من 20 لغة، وتعمم إلى جميع مسارح العالم، حيث تقرأ خلال الاحتفالات المقامة في هذه المناسبة، وتنشر في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.
وكان الكاتب الفرنسي “جان كوكتو” أول شخصية اختيرت لهذا الغرض في احتفال العام الأول بباريس، وتوالى على كتابتها، منذ ذلك العام 43 شخصية مسرحية من مختلف دول العالم، منها: (أرثر ميلر، لورنس أوليفيه، بيتر بروك، بابلو نيرودا، موريس بيجارت، يوجين يونسكو، أدوارد ألبي، ميشيل ترمبلي، جان لوي بارو، فاتسلاف هافل، سعد الله ونوس، فيديس فنبوجاتير، فتحية العسال، أريان منوشكين)، والكاتب المكسيكي “فيكتور هوجو راسكون باندا”.
إن الحديث عن المسرح طويل وعريض غائر وعميق، والغوص فيه أمر صعب عص، لا تعرف من أين تبدأ وأنت تدرسه، ومتى ستنتهي نظرا لقدمه وعدم معرفة جذوره وقواعده، لأن ما كان شفويا اندثر. ويضاف إلى ذلك، ضخامة تراثه لا يمكن الإحاطة به لأن ما نقرأه اليوم هو غيض من فيض لعدم الإلمام باللغة اللاتينية والإغريقية.
وقد عرف “أرسطو” المسرحية بقوله: “المسرحية قصة ممسرحة ذات هدف”، أي القصة التي تهدف إلى تقديم الحدث عن طريق الحركة في شكل فني خالص يخرج منه القارئ أو المتفرج وفي نفسه شيء، ما هو ما رمى إليه كاتب المسرحية. هذه الأخيرة، نشأت في اليونان نظرا لروح الديمقراطية واهتمام الدولة بالفكر، و”أرسطو” هو الذي قسم أنواع المسرحيات إلى قسمين ملهاة ومأساة، كما اشترط في المسرحية المأساة الوحدة العضوية: وحدة الموضوع أي أن يشتمل الفعل على بداية ووسط ونهاية، إلى جانب وحدة الزمان والمكان والزمان. يجب أن يكون محصورا في 24 ساعة ووحدة المكان في مدينة واحدة.

وهذه الوحدات الـ3، التزمت بها المدرسة الكلاسيكية، كما التزمت شرطا رابعا هو ما يسمى بفصل الأنواع، ونظرا لتطور المذاهب الأدبية وخضوعها لفلسفات معينة، ظهر لون آخر يسمى بالدراما، فالثورة على المسرح جاءت على يد الرومانسيين وخير من يمثل هذه الثورة مسرحية “كرومويل” لـ”فكتور هيجو”، الذي قام بترجمة بعض مسرحيات “شكسبير”.
كما ثار الرومانسيون على الشرط الرابع، وهو فصل الأنواع ولكنها حافظت على الفصل بين التراجيديا والكوميديا. ومع شيوع الأنظمة الاشتراكية، ظهر نوع جديد من المسرح يسمى الدراما الحديثة. أما المسرح عند العرب، فلم يعرفوه عن طريق الأدب الفصيح، وإنما عن طريق الأدب الشعبي كخيال الظل. وبعد حملة “نابليون” عرف العـرب المسرح، وقد بدأ بالترجمة على يد (مارون النقاش، جورج ابيض ويوسف وهبي) وغيرهم. وأول إنتاج عربي تمثيلي، كان شعرا على يد “أحمد شوقي”، وجاء بعده (الفريد فرج محمود تيمور وتوفيق الحكيم)، الذي اشتهر ببعض مسرحياته كالمسرح الذهني واللامعقول كما أن “شوقي” كتب مسرحية نثرية “أميرة الأندلس”، وختم نشاطه باللهجة العامية “الست هدى”.
وقد انقسم الباحثون في قضية الفصحى والعامية في الفنون الأدبية كالمسرح والرواية والقصة، والمسرح أنواع، مسرح الحلقة، المسرح الدائري التقليدي، مسرح الشارع، المسرح السياسي الاجتماعي، المسرح الذهني، مسرح اللامعـقول، مسرح الصغار. أما في الجزائر، عرف المسرح الجزائري الكثير من الصعوبات ومر بمراحل تاريخية متعددة، ورغم أن هذه المراحل كانت قصيرة، إلا أن كل واحدة منها تتميز بصفات خاصة تعطيها طابعها المستقل عن المرحلة التي سبقتها، ويمكننا هنا تقسيم هذه المراحل إلى 7 مراحل تاريخية في نشأة المسرح في الجزائر.
وبمناسبة اليوم العالمي للمسرح، يجـدر بنا جميعا أن ننوه ونفتخر بالممثلين والمخرجين والمؤلفين المسرحيين الجزائريين جميعا، دون استثناء فقد افنوا عمرهم وزهرة شبابهم في خدمة المسرح والجمهور من أجل تسليته وإسعاده، وتشخيص همومه اليومية ومشاكله الاجتماعية والاقتصادية والعاطفية والسياسية من أجل حركة مسرحية جزائرية، واستطاعوا الصمود والسير قدما في ميدان المسرح والرقي به من المسرح التقليدي والفرجة، إلى المسرح الحديث وفق متطلبات الحداثة المسرحية ويجب تكريمهم، وتحسين وضعيتهم المادية لان البعض منهم يعاني من العوز والفاقة وكذلك بعض منهم طريح الفراش.
وأخـيرا، يعتبر المسرح فـنّا صعبا فالمسرح الذهني يكتب للقراءة لا للتمثيل رغم وجود الحركة إلا أنها حركة عقلية، والمسرح صعب لأنه محدود بزمن العرض وبمكان ضيق هو الخشبة ويعتمد على عدد محدود من الفصول من 3 إلى 5…ثم لا بد من الجمهور فإذا انعدم الجمهور فلمن ستعرض المسرحـية.
مسرحية “البسمة” و”النمل يأكـل في النمل والباقي…؟” قضايا اجتماعية هادفة
تعـّد مدينة مغنية من بين أكبر المدن المسرحية على مستوى الوطن، أنجبت الكثير من الفنانين في شتى المجالات وخاصة المسرح، وقد تحصلت على مراتب أولى جهويا ووطنيا، وخير دليل على ذلك هو ميلاد المولود الجديد يعـد بالكثير ويبعث الأمل ألا وهي فرقة “نوميروس” الحديثة النشأة، والتي تأسست في 18 فيفري 2008 بنادي الهواة التابع للمكتبة الإعلامية لمدينة مغنية، وكلمة “نوميروس” هي كلمة رومانية وهو الإسم القديم لمدينة مغنية، إذ تعني “الفرقة المتنقلة” أو “الجيش المتنقل”، نسبة إلى كل هذه المعاني سميت هذه الفرقة بنوميروس، والتي شعارها “التربية قبل الفن…نعم لاكتشاف المواهب الشابة…الرسالة هدفنا…الطموح غايتنا…المسرح الجزائري مفخرتنا…المنافسة الشريفة”.
وقـد كان أوّل عرض مسرحي قامت به فرقة “نوميروس” كان بتاريخ 20 أفريل 2008 ، الذي تزامن مع الاحتفال بيوم العلم المقرر بـ 16 أفريل، حيث قامت بعرض مسرحي في قاعة “دنيازاد”، تحت عـنوان “البسمة”، التي بالفعل أدخلت البسمة على الحاضرين في القاعة، وذلك بفضل ممثلين شباب ذوي مواهب استطاعوا نفض الغبار على الخشبة وإعادة الروح المسرحية للمدينة.
أما العرض المسرحي الثاني، كان بنفس القاعة وبنفس المسرحية وذلك بتاريخ 20 ماي 2008 ، إذ أكدت الفرقة الشابة على موهبتها وقدرتها العالية، لأن مسرحية البسمة أنجزت في ظرف قياسي حدد بشهر ونصف، بما فيه الإضاءة والديكور والموسيقى. ناهيك، عن الإخراج والتنسيق، وعرفت إقبالا كبير من طرف المتفرجين.
حـيث كانت أوّل مشاركة قامت بها الفرقة تمثلت في مسابقة مسرح الهواة بولاية تلمسان، إذ شاركت في المسابقة 17 فرقة من بلديات لولاية تلمسان ذات مستوى عال، عادت بها فرقة “نوميروس” بالمرتبة الأولى على مستوى الولاية، لتتأهل للتصفيات الجهوية لمسرح الهواة وذلك لتمثيل ولاية تلمسان. وتعالج هذه المسرحية، قضايا المجتمع وواقع الأسرة في الجزائر خاصة.
حيث إذ أصبحت الأسرة الشغل الكبير في الوقت الحاضر، وخاصة طريقة الحوار بين الأب وأبنائه، إذ نرى في بداية المسرحية تسلط الأب في الرأي وقساوته مع أبنائه، وعدم تركه الفرصة للحوار، وخاصة بخله في المعيشة، إذ هذا الأخير أي القساوة في التصرف، تجعل من الأبناء يزيدون في عنادهم وتجعل كل واحد يبحث عن المخرج للهروب من السجن الذي يعيشون فيه، وهمه الوحيد جني المال بدون معرفة المصدر، إذ يحاول إبنه “الزوبير” الهجرة غير الشرعية “الحرقة” قصدا منه العمل لمساعدة العائلة، وخاصة خروجه من تعب المنزل، ولكن بعد تلقيهم خبر وفاة الحراقة الذي ذهب معهم “الزوبير”، يندم الأب ويصاب بهستيريا ويحمله أبناؤه المسؤولية.
ولكن “الزوبير” يرجع خطواته ويعود للبيت، لأنه لم يستطع الفرار ويجد والده في حالة يرثى لها، وبعدما يرى الأب “الزوبير” يفيق عن غيبوبته، ويغير نمط حياته وذلك من أجل توفير كل ما تحتاجه العائلة، خاصة في غياب الأم المتوفاة يقوم بدورها كذلك، ويعد أبناءه أنه سيعطيهم كل وقته وخاصة الحوار العائلي… مجمل ما ذكرنا، أن الحوار العائلي هو أغلى وأثمن حوار، والاتصال الروحي يأتي من الحوار العائلي، لأن الشباب وسيلته الاتصال وغايته الابتكار.
وأمام هذه الإنجازات المشرفة، لم تتوقف “نوميروس”، بل ضاعفت جهودها لتظهر بثوب جديد في مسرحية جديدة عنوانها “النمل يأكل في النمل والباقي…؟”، مسرحية أرادت من خلا لها فرقة “نوميروس” التحدّي ورفع مستوى الأداء، وإظهار المواهب، بفضل ممثلين عادو لخشبة المسرح بعد غياب دام لمدة طويلة، والفضل أيضا لممثلين يظهرون لأول مرة على الخشبة، شاركوا في آخر عرض مسرحي تحت عنوان “النمل يأكل في النمل والباقي…؟، وكان ذلك في 23 من رمضان أي 23 سبتمبر 2008 بقاعة سينما “دونيازاد”.
حيث استمتع من خلاله الجمهور المغناوي، وهي في حـدّ ذاتها مسرحية ـ إن صحّ التعبير ـ من العيار الثقيل، تبدأ أحداثها من أحد الأسواق الشعبية تبين معاناة الناس في البحث عن لقمة العيش، ومنها مباشرة إلى مشاكل الشباب وجريهم وراء طلبات العمل.
ضف إلى ذلك، خيانة الأمانة ومعالجة البيروقراطية حتى نصل إلى مشهد لطالما يحدث، إذ يلقى القبض على أحد الفقراء بتهمة السرقة بعد تدبير المكيدة من طرف الغني وأحد العطارين في السوق، بعدها مشهد المحكمة عندما يقترب من إلقاء الحكم عليه، يظهر الحق ويسقط الباطل لتتم تبرئة الفقير بالبراءة التامة والقبض على الغني والعطار، بعدها يشكر الله على بقاء العدل ومحبة الناس لبعضها البعض وختامها “قـوموا يا ناس…وكونو خاوة…وعاونو بعضكم بعض…”، هي مسرحية جمعت بين المسرح الجماعي والمسرح الكلاسيكي في قالب فكاهي عالجت أكبر شريحة في المجتمع.
هذه هي إذن فرقة “نوميروس” باختصار، كنبذة وجيزة فقط، لأن لو تحدثنا بالتفصيل فلا تكفينا عنها هذه الأسطر، وسر نجاح الفرقة هو حب المسرح، وروح التعاون بين الأعضاء والانضباط، وخاصة العمل الجماعي الذي هو أساس الفرقة، حيث طموحها أكبر وأملها واقف بوقوف جنودها الذين قالوا كلمة واحدة “سنرفع قيمة المسرح المغناوي، ونرتقي دائما نحـو الأعلى”، ونحن نقول “اللهم وفق هذه الفرقة لما فيه الخير، ويسر لها الطريق كي تصل مبتغاها وتوصل رسالتها على أكمل وجه”.
ع. أمــيــر



