رمضانيات

مع العشر الأواخر من رمضان

مهلا... أليس بالأمس قلنا لك أهلا؟

 ما أسرع الأيّام حين تكون مملوءة بالرحمة، وما أقصر الليالي حين تكون عامرة بالقرآن والدعاء والسكينة. ها هو رمضان، شهر الخير والبركة، يمضي بخطًى متسارعة، حتى ليخيّل إلينا أنّه ما زال في بدايته، وأنّ أصوات التهاني بقدومه لم تزل تتردّد في القلوب والبيوت. فنقف في دهشة ممزوجة بالحزن ونقول: مهلًا رمضان، أليس بالأمس قلنا لك أهلًا؟

 

لقد جاء رمضان ضيفًا كريمًا، فاستبشرت به الأرواح قبل الوجوه، واشتاقت إليه النفوس قبل الألسنة. جاء يحمل معه نفحات الإيمان، وساعات الصفاء، وفرص التوبة، فامتلأت المساجد بالمصلّين، وتعطّرت الأوقات بتلاوة القرآن، وانشغلت القلوب بذكر الله. وفي هذا الشهر المبارك، يشعر الإنسان أنّه أقرب إلى ربّه، وأنّ أبواب الخير قد فُتحت له من جديد، وأنّ في كل يوم من أيامه فرصةً صادقةً للإنابة والمراجعة والعودة.

وليس رمضان شهر صيامٍ عن الطعام والشراب فحسب، بل هو مدرسةٌ إيمانيّة عظيمة، يتعلّم فيها المسلم الصبر، ويهذّب فيها نفسه، ويراجع فيها أعماله، ويقوّي صلته بربّه. وفي أيامه تتجلّى معاني التكافل والرحمة، فتكثر الصدقات، وتلين القلوب، ويتذكّر الغنيّ المحتاج، ويشعر القويّ بالضعيف، فتسمو الأخلاق وتزكو النفوس. وما أجمل رمضان حين يجمع الأسرة على المحبة، ويجمع المجتمع على الطاعة، ويجمع القلب مع ربّه في خلوة صادقة.

ثم تأتي العشر الأواخر من رمضان، فتزداد القلوب خشوعًا، وتزداد الأرواح توقًا، لأنها ليست كغيرها من الليالي؛ إنها تاج رمضان، وخاتمة موسمه، وميدان المتسابقين إلى الرحمة والرضوان. وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، وفي هذا أوضح دليل على عظم هذه الأيام وعلوّ منزلتها، وأنها موسم اجتهادٍ خاص لا يشبه سائر الشهر.

وفي قلب هذه الليالي المباركة تتربّع ليلة القدر، تلك الليلة العظيمة التي قال الله فيها إنها خيرٌ من ألف شهر، وأن الملائكة والروح تنزل فيها بإذن ربهم من كل أمر، وأنها سلامٌ حتى مطلع الفجر. وقد جاء في القرآن أيضًا: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، ولذلك كانت ليلة القدر ليلةً عظيمة القدر، جليلة الشأن، يترقّبها المؤمنون بالشوق والرجاء، طمعًا في رحمة الله ومغفرته وفضله.

وفي هذه الليلة المباركة يكثر الدعاء والابتهال، ومن أجمل ما يُدعى به فيها ما علّمه النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها حين سألته: ماذا تقول إن وافقت ليلة القدر؟ فقال: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني. فهذا الدعاء من أعظم ما يقال في تلك الليالي، لما يحمله من التماس العفو والرحمة والستر من الله سبحانه.

ومن هنا كان الحزن على اقتراب وداع رمضان حزنًا مختلفًا، لأنه ليس حزنًا على زمنٍ يمضي فحسب، بل على موسمٍ إيمانيّ عظيم كانت فيه القلوب أنقى، والنفوس أصفى، والعبادات أحبّ، والدموع أصدق. ومع اقتراب نهايته، يبدأ الإنسان بمحاسبة نفسه، فيتساءل عمّا قدّم، وما الذي ربحه من هذا الشهر الكريم، وهل أحسن اغتنام العشر الأواخر بصدق الدعاء وخشوع القيام وتلاوة القرآن. غير أن رمضان لا يعلّمنا أن تكون الطاعة مرتبطة بزمانٍ ثم تنقطع، بل يربّينا على أن يكون بدايةً صادقة لحياةٍ أقرب إلى الله، تبقى آثارها في صلاةٍ لا تُترك، وقرآنٍ لا يُهجر، وخلقٍ حسنٍ لا يتبدّل، وقلبٍ عرف طريق الإنابة فلا يضيّعه بعد ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى