
على مدار يومين كاملين، احتضنت قاعة المطالعة بالمكتبة المركزية لجامعة بشار فعاليات يومين مفتوحين، بعنوان “استغلال براءات الاختراع الواقعة في الملك العام”، من تنظيم مركز دعم التكنولوجيا والابتكار.
وجاءت هذه المبادرة، في إطار مرافقة الطلبة أصحاب المشاريع المسجلين ضمن الآليات الوزارية الداعمة للابتكار والمقاولاتية، وحرصًا على ترسيخ ثقافة الابتكار المرتبط بالتنمية الاقتصادية. وقد هدف هذا اللقاء العلمي التطبيقي، إلى التعريف بمفهوم براءات الاختراع التي دخلت الملك العام، وبيان سبل استغلالها بصورة قانونية وآمنة، مع تدريب المشاركين على تقنيات البحث المتقدم في قواعد بيانات البراءات العالمية، وكيفية قراءة الوثائق التقنية وتحليلها تمهيدًا لتحويلها إلى نماذج أولية ومشاريع قابلة للتجسيد.
وشهدت الفعالية حضورًا رسميًا وأكاديميًا متميزًا، تقدّمه البروفيسور “بلدغم محمد” نائب مدير الجامعة، ممثلًا عن مدير جامعة بشار البروفيسور “بزازي بوجمعة”، حيث ألقى كلمة بالمناسبة وأعلن عن الافتتاح الرسمي للفعاليات. كما حضرت البروفيسور “زيرمي نعيمة”، مسؤولة مكتب الربط بالجامعة وعضو اللجنة الوطنية التنسيقية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال الجامعية، إلى جانب الدكتور “ڨوري سيف”، مسؤول مركز دعم التكنولوجيا والابتكار، والدكتور “فلاح أحمد حمزة” مدير حاضنة الأعمال، والبروفيسور “بقدور عائشة” مديرة مركز تطوير المقاولاتية، إضافة إلى الأساتذة المؤطرين من مختلف الكليات والطلبة أصحاب المشاريع المنخرطين ضمن القرار 008 المعدل والمتمم للقرار 1275.
استُهل البرنامج بالمداخلة الأولى الموسومة بـ “استغلال براءات الاختراع الواقعة في الملك العام”، التي قدّمها الدكتور “فلاح أحمد حمزة”، حيث وضع الإطار المفاهيمي والقانوني للموضوع. موضحًا، أن البراءة تقوم على مبدأ نشر المعرفة مقابل حق حصري مؤقت. ويمتد هذا الحق عادةً إلى 20 سنة من تاريخ الإيداع وفق ما تنص عليه اتفاقية “تريبس” التابعة لمنظمة التجارة العالمية. وبعد انقضاء هذه المدة، تدخل البراءة في الملك العام وتصبح التكنولوجيا الموصوفة فيها متاحة للاستعمال. كما تم التأكيد، استنادًا إلى توجيهات المنظمة العالمية للملكية الفكريةWIPO ، على ضرورة التحقق من الوضع القانوني والنطاق الإقليمي للبراءة، نظرًا لكون الحقوق ذات طابع إقليمي، إضافة إلى احتمال سقوط البراءة قبل انتهاء مدتها في حال عدم دفع رسوم التجديد.
أما المداخلة الثانية فجاءت بعنوان “استراتيجيات البحث المتقدم عن الأسبقية في براءات الاختراع”، قدّمها البروفيسور “روشام بن زيان”، حيث ركزت على الجانب المنهجي التطبيقي. تعرّف الطلبة على كيفية استعمال منصات البحث المتخصصة مثل Patentscope و Espacenet و Google Patents، مع التأكيد على أن البحث الاحترافي لا يقتصر على إدخال كلمات مفتاحية، بل يعتمد على استراتيجيات بحث مركبة تشمل استخدام معاملات الربط المنطقي مثل and و or لتوسيع أو تضييق نطاق النتائج، بالإضافة إلى الاستفادة من التصنيف الدولي للبراءات وتتبع عائلات البراءات وتحليل حالتها القانونية.
كما أوضحت المداخلة، أن البحث في الأسبقية ليس مجرد إجراء قانوني لتجنب التكرار، بل مصدر غني للإلهام التقني، حيث يساعد على تحليل الحلول القائمة، اكتشاف الفجوات التكنولوجية وتوليد أفكار جديدة يمكن تطويرها إلى براءات اختراع مبتكرة أو مشاريع صناعية قابلة للتجسيد. وبهذه الطريقة، يتحول البحث في الأسبقية إلى أداة استراتيجية للابتكار، تتيح للطالب أو الباحث الاستفادة من المعرفة المتاحة لتطوير حلول جديدة وفعّالة.
ومن خلال الورشات التطبيقية التي أقيمت في اليوم الثاني، بدأ المشاركون الانتقال من الجانب النظري إلى التطبيق العملي. تعلّموا أن قراءة البراءة عملية منهجية تبدأ بفهم الملخص، مرورًا بتحليل الرسومات والوصف التفصيلي، وصولًا إلى المطالب التي تحدد نطاق الحماية. هذا الفهم يمكّن من استغلال البراءات التي دخلت الملك العام بطريقة قانونية وآمنة، كما يفتح المجال لتوليد أفكار مبتكرة يمكن تطويرها إلى مشاريع قابلة للتجسيد.
كما تم التطرق إلى مفهوم الهندسة العكسية، وهي عملية تحليل منتج أو تقنية موجودة لفهم طريقة عملها وتصميمها، بهدف تحسينها أو تطوير نموذج أولي جديد، مع الالتزام بالحقوق الملكية. وقد تم تقديم NotebookLM كأداة مساعدة للبحث والتحليل، حيث يمكن استخدامه لتلخيص البراءات الطويلة، واستخراج المعلومات الأساسية، وربط البيانات بطريقة منهجية لدعم توليد أفكار جديدة.
وفي ختام الفعاليات، اتفق المشاركون على أن براءات الملك العام تمثل رافعة استراتيجية للابتكار والتنمية الاقتصادية، وليست مجرد محتوى معرفي نظري. وأكدت أشغال اليومين أن الاستفادة الفعلية من هذه البراءات تتطلب وعيًا قانونيًا دقيقًا، منهجية بحث احترافية، وأدوات تحليلية متقدمة، إضافة إلى القدرة على ربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي. وعندما تتكامل هذه العناصر داخل منظومة جامعية متماسكة، تتحول البراءة من نص منشور إلى مشروع مبتكر وقابل للتسويق، مما يجعل الجامعة منصة فعّالة لربط البحث العلمي بسوق العمل وتعزيز التنمية الاقتصادية.
عمر العربي



