روبرتاج

جعـلـت من عــاصـمـة الــزيــانـيـيـن قـبـلـة ومركز إشعاع عـلمي

عـلـماء تلمسان ومــسـألـة تـأسـيـس الــمـدارس الـتعـــلـيمـية

   تعـتبر مدينة تلمسان من بين المدن الجزائرية العريقة، التي مازالت تحافظ على تراثها وطابعها المعماري الأصيل، إذ شهدت تشييد العديد من المنشآت المعمارية بمختلف أنواعها، سواء كانت دينية أو مدنية أو عسكرية- دفاعية خاصة خلال العهدين المريني والزياني، وهذا نظرا للاهتمام الذي حظيت به من قبل الأمراء والسلاطين والولاة الذين حكموها عبر التاريخ.

ومن بين المنشآت المعمارية التي أوليت اهتماما خاصا، هي المؤسسات الدينية والتعليمية، المتمثلة في (المساجد، الزوايا والمدارس)، التي جَعلت من حاضرة تلمسان قبلة ومركز إشعاع علمي، مما جعلها منارة للعلم والثقافة، استقطب العلماء وطلبة العلم من مختلف الأقاليم القريبة منها والبعيدة، فقد أدت هذه المراكز العلمية وظيفتها على أتم وجه.

حيث كان ظهورها دافعا قويا في انتشار العلوم بين أفـراد المجتمع، وإعـداد العلماء في تلمسان التي كانت مركز إشعاع حضاري في ظهور عدد معتبر من العلماء والمحدثين، الذين أفادوا الأمة بأفكارهم. ومن هنا يظهر لنا، أن الهدف الأساسي من وراء بناء المدارس بصفة عامة هو النهوض بتدريس علوم القرآن والعلوم المختلفة، وعلى الخصوص مذهب “الإمام مالك”، وإحياء العلوم التي عرفت تراجعا واضحا على إثر ضعف الدولة الموحدية وسقوطها. ومن جهة أخرى، توفير الظروف المعيشية المواتية لطالب العلم، وهذا ما نجده واضحا في أغلب وقفـيات التحبيس على المدارس.

وعلى ضوء ما سبق، سنقوم من خلال هذا الربورتاج الذي يتزامن والشهر الفضيل، بدراسة نماذج من المؤسسات الدينية والتعليمية بهذه المدينة، انطلاقا من عـدة تساؤلات، تتمحور حول: ما هي أبرز المؤسسات الدينية والتعليمية التي تعود إلى الفترة العـثمانية وما قبلها، القائمة منها والمندثرة…؟ وما مدى مساهمتها في التطور العلمي…؟، ومن هم أشهر علمائها…؟

 المدرسة “التاشفينية” تحفة أبادها الاستعمار الفرنسي

شيّدت المدرسة “التاشفينية” بقلب مدينة تلمسان، قريبا من جامعها الأعظم، وداخل أسوارها التاريخية بأمر من السلطان الزياني “عبد الرّحمان أبو تاشفين”، تكريمًا لوالده يعقوب وأعمامه السّلاطين “سعيد عثمان” و”أبي ثابت الزيانيين”، وكان ذلك سنة 765هـ.

تروي كتب التاريخ، أن هذه المدرسة كانت فريدة في روعتها وهندستها وزخرفتها، وكانت محل استقطاب العلماء والطلّاب من جميع أقاليم المغرب الكبير، ومن أشهر العلماء الّذين درّسوا في تحفة “التاشفينية” التي كانت بمثابة أول جامعة لتدريس مختلف العلوم بالمغرب الأوسط وشمال إفريقيا، “أبو عبد الله الشّريف التلمساني”، واستمر إشعاع هذه التحفة على مدار القرون إلى غاية التاريخ المشؤوم الذي قرّرت فيه الإدارة العسكرية الاستعمارية سنة 1873م هدم المدرسة في إطار مخطط مزعوم لتوسعة المدينة، ويرى بعض الباحثين بتلمسان، أن المستعمرين هالهم ما رأوه من فعل حضاري وجماليات عمرانية وزخرفة فريدة في المدرسة، فقرّروا هدمها لطمس المعالم الحضارية للمدينة، وأقيم مكانها فندق تحوّل بعدها إلى مقر للبلدية.

ومن الأوصاف التي خلدت المدرسة ما ذكره “التنسي” بوصفها بـ “الجليلة العديمة النّظير”، كما تميّز وصف المجنّد والمؤرّخ الفرنسي “جورج مارسي” لـ “التاشفينية”، لأنّه عايش ورافق جنود الاستعمار بالمدينة ودوّن خصوصيات التاشفينية العمرانية حين كتب أن: “…شكل المدرسة كان جميلًا ومتميّزًا…وكان التّغليف بالسّيراميك يلعب دورًا هامًّا في تزيين محيط الأبواب، وتبليط القاعات… وكانت توجد أمام مصلاّها فسقـية من الرّخام تحفها زخارف نباتية متشابكة مرهفة…”،.

وسجّل” جورج مارسي”، كيف كان بعض الجنود يبكون وهم يقومون بهدم المدرسة، المَعلم، وكيف قررّت الإدارة الاستعمارية نهب ونقل قطع الفسيفساء والخزف والرّخام والأبواب الخشبية الفريدة الرّسومات إلى متاحف اللوفر بفرنسا، الجزائر وتلمسان، ويمكن لزائر مدينة تلمسان وإلى متحف الفن والتّاريخ الّذي أقيم على أنقاض المدرسة، أن يكتشف من خلال عروض ثلاثية الأبعاد قام بها باحثون جزائريون، روعة إحدى الحواضر التّاريخية الّتي أبادها الاستعمار الفرنسي.

 مدرسة “العـبّاد” في تلمسان….من هـنا مرّ المـرازقـة ودرّس “ابـن خـلـدون”

من أعالي مدينة تلمسان ومن حي العبّاد العتيق، تطلّ مدرسة عتيقة أيضًا اشتهرت باسم المكان الّذي شيّدت فيه من قبل السّلطان المريني “أبو الحسن” سنة 747 للهجرة، بعد 8 سنوات من بنائه لتحفة مسجد “سيدي بومدين”، تكريمًا لضريح قطب المتصوّفة “أبي مدين شعيب” بداية القرن الثالث عشر ميلادي.

يقول الأستاذ “إبراهيم شنوفي”، وهو أحد العارفين بتاريخ وتراث عاصمة الزيانيين، إنّ تسمية المدرسة “الخلدونية” صفة مزاجية أطلقت على إحدى أقدم مدارس تلمسان، بعد مدرسة “أولاد الإمام” في عهد السّلطان “أبو حمو موسى الزيّاني”، والتي كانت داخل أسوار المدينة. في حين، أنّ مدرسة العبّاد توجد على سفح الجبل وهي من مشاريع السّلطان “أبي الحسن المريني” بالمكان مثل المسجد وقصر السّلطان والحمام السلطاني وغيرها. ومن أشهر العلماء الّذين درّسوا بمدرسة العبّاد، المرازقة، خاصة الحفيد أو الكفيف، وهي عائلة تلمسانية شهيرة في التّدريس، وورد في كتاب “البستان” لـ”ابن مريم”، حسب الأستاذ “إبراهيم” دائمًا، أنّ  العالم والمصلح “ابن زكـري”، قـد درّس بها أيضًا بمنحة من السّلطان، وأضحت المدرسة في القـرون الأخيرة تحمل اسم المدرسة “الخلدونية”، لأن “عبد الرحمان بن خلدون” درس بها مختلف العلوم عند مروره بتلمسان.

وتعتبر الخلدونية تحفة معمارية بداية ببابها الخشبي الكبير وساحتها المستطيلة الشكل، برواقين توجد بهما غرف صغيرة كانت مخصّصة لإيواء الطلبة، ثمّ الغرفة الكبيرة المزيّنة بقبّة خشبية عملاقة مغطّاة بالقرميد في خارج السّقف وزيّنَت القاعة بمِحراب، وهو تحفة في الزّخرفة والعمارة العربية الإسلامية، وبعـد سنوات من الإهمال الّذي طال المدرسة في الحقبة الاستعمارية، استعادت دورها بعد الاستقلال في تحفيظ القرآن الكريم وتعليم علوم اللّغة العربية، وقد استفاد هذا المعلم التاريخي من عملية كبيرة للتّرميم وإعادة التّهيئة بمناسبة احتضان تلمسان لتظاهرة عاصمة الثقافة الإسلامية سنة 2011 ، وحوّلَت إلى متحف للمخطوطات والكتب النّادرة. وأصبحت حلقة هامة في سلسلة المسارات السياحية الّتي يختارها زوار تلمسان للوقوف على عبق التّاريخ المشرق/ بأحد حواضرنا الخالدة.

 الـمــدرسـة “الـيـعـقـوبــيـة” فـي تــلـمـسـان

تـتـواجد المدرسة “اليعـقوبية” بجوار مسجد “الشيخ إبراهيم المصمودي”، شرق مسجد “أبي الحسن” وجنوب غرب المشور في حي باب الحديد، وقـد شيّدت هذه المدرسة بأمر من الأمير الزياني “أبو حمو موسى الثاني” سنة 763هـ، بعد أن تربع على عرش تلمسان، تخليدًا لوالده أبي يعقوب الّذي أدركته الوفاة سنة 763هـ/1362م، وكان أبو حمو الثاني، قـد أمر بدفن أبيه برياض يقع بالقرب من باب إيلان، ونقل رفات عمّيه، أبا سعيد وأبا ثابت من مدفنهما القديم بالعبّاد، إلى جوار ضريح والده، ثمّ شرع في بناء مدرسة بجانب أضرحتهم، وأوكل للعالم الشيخ “الشريف الحسني أبي عبد الله “(ت:771هـ/1370م) التّدريس فيها، وهي المدرسة الّتي أشاد المؤرّخون برونقها وجمالها وحسن عمارتها.

وقد استغرق وقت بنائها أكثر من سنة ونصف، حيث انتهي من إنجازها سنة 765هـ/1364م، إلاّ أنّها فقدت الكثير من ملامحها القديمة وأصبحت جزء من مسجد الشيخ “إبراهيم المصمودي” ومن الضّريح، فيصعب بذلك وصف أقسامها ومرافقها، وجعل “أبو حمو الثاني” هذه المدرسة ملحقة بزاوية ومقـبرة خصّصها لدفن ملوك تلمسان وأمرائها من بني زيان، وكان الضّريح يمتاز بزخارف جميلة ورسومات ملوّنة بديعة.

 مــدرســة “ابــنـي الإمــام” بــتـلــمـسان

أمر ببناء هذه المدرسة السلطان “أبو حمو موسى الأوّل” (707-718هـ/1308-1318م)، وعيّن على رأس هيئة التّدريس بها ابني الإمام: “أبو زيد عبد الرّحمان” (ت:743هـ/1342م) وأخوه “أبو موسى عيسى” (ت:749هـ/1348م)، وكلّفهم بإدارة التّعليم والتّدريس بها، فحملت المدرسة اسميهما، وكانت أول مدرسة علمية بتلمسان.

ارتحل ابنَا الإمام إلى تونس آخر المائة السّابعة، فأخذ العلم بها عن تلاميذ ابن زيتون، وتفقّها على أصحاب “أبي عبد الله بن شعيب الدكالي”، وانتقلا إلى المغرب بحظ وافر من العلم، وأقامَا بالجزائر يبثّان العلم بها، وقـد ذكر “يحيى بن خلدون” أنّهما “نزلاَ تلمسان في أيّام السلطان المرحوم “أبي حمو بن السلطان أبي سعيد”، فأكرم مثواهما وابتنى لهما المدرسة المسمّاة بهما داخل باب كشوطة، فرأسَا النّاس، وجالسَا الملوك، على هدي العلماء وسمة الرّؤساء، وتركَا بتلمسان خلفًا كثيرًا ينتحلون العلم كبيرًا وصغيرًا، بلغ كثير منهم مقام التّدريس والعلم والفتيا في النّوازل نجابة درس.

أما بالنسبة لعمارة هذه المدرسة، فإن المصادر سكتت عن وصفها، ولم يبق من هذه المدرسة إلاّ المسجد الصّغير بمنارته؛ والّذي أسّس بجانبها ولا يزال قائمًا إلى اليوم؛ يعرف عند أهل تلمسان باسم “جامع سيّدي أولاد ليمام” ويقع في الناحية الغربية من المدينة في اتجاه باب كشوطة المعـروف اليوم بباب سيدي بوجمعة.

خــتامــا، لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاهل أهمية المشروع المدرسي ونفي مساهمته الفعالة في عملية البناء الفكري والحضاري في تاريخ تلمسان تحديدا وانتعاش الحركة الثقافية خلال العهد الزياني، فقد أحدثت مؤسسة المدرسة خلال القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي نهضة علمية بالغة الأهمية، أضحت نتيجتها تلمسان عاصمة علمية استقطبت العديد من العلماء وطلبة العلم في مختلف ضروب العلم.

كما اضطلعت مؤسسة المدرسة إلى جانب المؤسسات العلمية الأخرى رغم ما شابها من سلبيات في نظر بعض العلماء بأدوار مهمة، يأتي على رأسها إعادة الاعتبار للمذهب المالكي، وتخريج ثلة من العلماء والفقهاء الذين أضحوا من أهم الفئات الاجتماعـية بتلمسان توارثوا الحفاظ على استمرارية الاشتغال بالعلم، إما تحصيلا أو تلقـينا وارتقوا أرفع المناصب السياسية والإدارية والدينية وغـيرها، وتركوا لنا آثارا طيبة في مجال التأليف في عدد من العلوم والمعارف.

إعداد: ع. أمــيــر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى