لك سيدتي

من الجزائر إلى بلد العم سام

"إيمان" من عاملة نظافة إلى رائدة أعمال... إلى قائدة مؤتمرات ومحاضرات

ما تزال المرأة الجزائرية تصنع المعجزات برفعها التحديات، مواصلة مسيرة سابقتها التي وقفت إلى جنب أخيها الجزائري، ووقعت معه انتصارا يُدرَّس إلى اليوم في أعتى الجامعات، بكفاح ونضال استمر دون هوادة ولمدة تفوق 130 سنة، مكنت من استقلال الجزائر وانتصارها على الاستعمار الفرنسي الغاشم بأبسط الأسلحة التقليدية، ولكن بعزيمة صلبة وإرادة أقسى من الحجر. فبعدما سجلت اسمها على قائمة شهداء ومجاهدي الثورة التحريرية، ها هي اليوم توثق اسمها في قائمة المكافحات في الحياة اليومية لضمان لقمة العيش، والبارعات في قائمة الصحة، البحث العلمي، النضال السياسي، الابتكار والاختراع… من أجل بناء مجتمع ناجح ووطن راقٍ.

“إيمان ميخائيل”، تعد واحد من أكثر النماذج شيوعا في العالم اليوم برحلتها السحرية، التي أتت بها من الشرق الجزائري، وصولا إلى بلد تحقيق الأحلام والمعجزات، بلد العم سام، أين انطلقت من تنظيف البيوت كاسم مغمور إلى عنان السماء، تنافس أنجح رائدات الأعمال من مختلف الجنسيات، وتتحول من امرأة تتلقى الاوامر إلى قائدة ومرشدة توجه وتقدم دروس النجاح وسبل الكفاح ليس لمن لا تملك شهادة أو إمكانيات، وإنما حتى لمن تولت أهم المسؤوليات لإثبات وجودها وتحقيق استقلالها المادي، وحفاظها على دورها الأسري والمجتمعي، حتى لا يختل توازن البيئة الطبيعية للفرد البشري، فأصبحت تشغل مساحات السوشل ميديا وتقدم جلسات استشارة خاصة ودورات تدريبية وجلسات بث مباشر (لايف) عبر قنواتها الإلكترونية، مستغلة كل الفرص المتاحة لتحقيق المزيد من النجاح وتجسيد مختلف الأفكار التي تدور عليها أرباحا…

 

من وراء الجدران… اشترت سوارا

 

كبرت “إيمان ميخائيل” المعروفة بـ “إيمي ميخائيل” على مواقع التواصل الاجتماعي، في الشرق الجزائري وسط عائلة محافظة، وتعلمت وأكملت تعليمها وتخرجت من معهد “الإعلام والاتصال” بالجامعة الجزائرية، غير أن انتقالها إلى البيت الزوجية حرمها من العمل، بعدما ألزمها زوجها البقاء بالبيت لأنه كان صاحب مال لا يحتاج إلى عملها الإضافي، خاصة وأنه كان مغتربا بأمريكا.

لكن أفكار “إيمان” الباحثة عن الفرص رفضت القرار، لكنها لم تتمرد عليه، بل أرضت رغبتها الجامحة في البحث عن تحصيل المال بنفسها عوض الاكتفاء بتلقيه من غيرها، فكان السبيل إلى ذلك ببيعها ملابسها وحاجاتها الخاصة إلى جيرانها، إلى أن كسبت مبلغا محترما مكنها من شراء “سوار ذهبي”، تحتفظ به إلى اليوم كذكرى وقوة شحن ودفع لها، للتقدم أكثر كلما شعرت بالتراجع.

 

المسيرة الحقيقية من أرض العم سام

 

انتقلت “إيمان ميخائيل” من الجزائر إلى أرض الأحلام “أمريكا” سنة 2009، عبر تأشيرة “جمع الشمل”، لتلتحق بزوجها وتواصل حياتها العائلية بصفة عادية، غير أن القدر كان أقوى وتغيرت الظروف، فتحولت “إيمان” من امرأة متزوجة إلى امرأة مطلقة بطفلين في بلاد الغربة.

جاءت الخطوة، التي كانت مخبأة في دماغها منذ صغرها، وهي تكوين نفسها وصنع مستقبلها، بل أصبحت مضطرة لتكون عاملة خارج البيت لتأمين ضروريات ابنيها، غير أنها اصطدمت بالواقع، واكتشفت أن الواقع يواجهها بأنيابه، وعليها إثبات نفسها ورفع التحدي لتتمكن من مواجهة مصاعب الحياة وهي وحيدة في بلد غريب لا قريب لها فيه. فكانت أول مهنة لها هي “مهندسة نظافة”، تعرض خدماتها على البيوت، وبمرور الوقت أثبتت جدارتها بالعمل ونيل ثقة أصحاب البيت، فذاع صيتها وأصبحت تشتغل عند العائلات الثرية والراقية مجتمعيا، وأصبح الطلب على خدماتها كبيرا.

 

 

من “مهندسة نظافة” إلى “صاحبة مؤسسة نظافة”

 

ولأنها كانت تشتغل بعضلات خادمة، وتفكر بعقل الأثرياء، فقد نجحت في ادخار المال من الأجرة التي كانت تتلقاها مقابل خدماتها، وعوض أن تكتفي بشغلها أو تبحث عن شغل إضافي، في 2012 فكرت في إنشاء “مؤسسة نظافة”، فجلبت نساء يمتهن “التنظيف” ووظفتهن في مؤسستها.

وبدأت في توسيع نشاطها الذي زاد من مدخراتها، وصنع لها اسما تعدى الولاية التي تسكنها، بفضل جودة الخدمات المقدمة وصرامتها في العمل وانضباطها في الالتزام بالوقت، فأصبحت مؤسستها رائدة في ولاية “كاليفورنيا”، وصنفت من أنجح المؤسسات وأصبح عليها التهافت، مما جعلها ترفع عدد العمال وتزيد من توسيع انتشارها وتعزيز خدماتها بتطوير حتى فنيات وتقنيات الشغل لدى عمالها، بل أصبحت تشعر بمسؤولية أكبر، نظير الثقة التي باتت عنوان مؤسستها وجودة الخدمة شعار ملاصق لها.

 

من صاحبة مؤسسة نظافة إلى صاحبة برنامج إلكتروني “موبست مليونز” التحفيزي

 

ذاع صيت “إيمان ميخائيل” بين العائلات والمؤسسات، وأصبحت الطلبات عليها بأمريكا مهمة، فتجاوز عدد عمال مؤسستها للنظافة 250 مهندسا، وأصبحت مطلوبة لدى الكثيرات من النساء لكسب دافع وتشجيع يسمح لهن، بتأمين مستقبلهن وبعث مشاريع ناجحة، تصنع لهن اسما وتحققن وجودهن في عالم المال والأعمال.

ولأن “إيمان” تتنفس عالم المال والأعمال وأصحاب الثراء، فقد اهتدت إلى فكرة جريئة جعلتها تصنع اسما ثقيلا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما اتجهت إلى التكنولوجيا الرقمية واستغلتها بطريقة ايجابية سمحت لها بإطلاق برنامج افتراضي تحفيزي للمرأة، أطلقت عليه اسم “موبست مليونز”.

وهو البرنامج الذي يلقى إلى اليوم إقبالا منقطع النظير من النساء الباحثات عن التشجيع والتحفيز، وتطوير الذات من مختلف بقاع العالم. حيث تقوم “إيمان ميخائيل” عبر هذا البرنامج، بتقديم النصائح والرد على أسئلة النساء وتحفيزهن وجعلهن يثقن بأنفسهن، مع حرصها على تعزيز قدراتهن الشخصية والفكرية على تجسيد أحلامهن وتشديدها على ضرورة الإقلاع عن الخوف من الفشل، وتجنب السلبيات أثناء التحضير لإطلاق مشروع. مع تشجيعها المستمر لهن، على اتخاذ خطوة “الجرأة واقتحام المجال” دون حساب العواقب مع ضرورة التكرار والنهوض السريع من حلبة الفشل، لأن الانتصار يحققه صاحب الثقة بالنفس وليس قوي العضلات…

وبعد انتشار البرنامج وزيادة متابعاته، اضطرت “إيمان” إلى ترجمته إلى عدة لغات على غرار العربية، الفرنسية والانجليزية لتسهيل فهمه من طرف مختلف النساء من كل الجنسيات.

 

من منصة إلكترونية إلى منصات تفاعلية وقيادة مؤتمرات دولية

نجاح الجزائرية “إيمان ميخائيل” في إيصال رسالتها التحفيزية، وتشجيعها للمرأة على تدبر مستقبلها دون إسقاط دورها الأساسي في بناء الأسرة والمجتمع، وتحقيق الريادة في عالم المال والأعمال، وتحطيم مؤسستها للنظافة أرقاما قياسية، جعلتها تحصل على عديد الشهادات من مختلف الجهات الرسمية، والمهتمة بعالم المال والأعمال، لم يكبح عشقها لتطوير الذات وتحقيق نجاحات أخرى، بل شجعها على التقدم ووضع قدمها ضمن أهم رائدات المال والأعمال ليس عربيا فقط وإنما دوليا.

استغلت “إيمان ميخائيل” قدرتها الكبيرة على التواصل، وتمكنها من الحديث وإيصال الفكرة بأبسط الطرق والتفاعل الإيجابي للمتلقي مع رسائلها، لاسيما وأنها خريجة معهد الإعلام والصحافة بالجزائر، إضافة إلى سمعتها الرائجة في مختلف دول العالم، وانتشار برنامجها “موبست مليونز” التحفيزي عبر قناتها الإلكترونية، لتقتحم عالم المؤتمرات الدولية والندوات النسوية، فأصبحت تنافس أكبر المحاضرات العالميات، وتقدم أفضل الطرق والسبل التي تمكن المرأة من تحقيق ذاتها، إثبات تواجدها وتحقيق أحلامها في كل الظروف، وبالإمكانيات المتوفرة، لأن الخوف لا يصنع النجاح بل الخوف يقضي على الثروة ولا يثريها.

يذكر أن رائدة الأعمال “إيمان ميخائيل”، رغم شهرتها العالمية ونجاحها في أمريكا إلا أنها مازالت مرتبطة بأرضها الأم، وتجتهد لتجسيد مشاريع استثمارية بالجزائر، مع التركيز على تحفيز وتشجيع المرأة الجزائرية لتحقيق المزيد من المكاسب في كل المناصب التي تشغلها والمستويات التي وصلت إليها.

إعداد: ميمي قلان 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى