الجهوي‎

تُجدّد العهد مع الذاكرة بالمنيعة

 المدرسة في قلب إحياء اليوم الوطني للشهيد

في سياق وطني يتجدد كل 18 فيفري، اختارت ولاية المنيعة أن تمنح إحياء اليوم الوطني للشهيد بعداً عملياً يتجاوز الطابع الاحتفالي، عبر مبادرات ميدانية جسّدت التكامل بين قطاع الثقافة والمؤسسات التربوية بحاسي القارة، في تزامن مع الاستعدادات لاستقبال شهر رمضان المبارك. هذا التلاقي بين الرمزي الوطني والبعد الروحي منح الفعاليات عمقاً مضاعفاً، ورسّخ قناعة بأن صون الذاكرة يبدأ من المدرسة.

 

ابتدائية مولود فرعون: فعل تربوي يؤطر الذاكرة

المبادرة التي احتضنتها ابتدائية “مولود فرعون” جاءت بإشراف مديرية الثقافة والفنون لولاية المنيعة، في إطار رؤية تسعى إلى تحويل الفضاء المدرسي إلى منصة لترسيخ القيم الوطنية. البرنامج تنوّع بين الأناشيد الوطنية والدينية، والعروض المسرحية، والإلقاءات الشعرية، في صيغة بيداغوجية هدفت إلى تثبيت صورة الشهيد في وجدان التلاميذ، وربطها بمعاني الصبر والتضحية التي يتعزز حضورها مع اقتراب شهر رمضان.

وأشرف على الفعالية مدير الثقافة والفنون لولاية المنيعة، السيد العابد ياسين، إلى جانب الطاقم المنظم المكوّن من بوحميدة الخنساء، بن ساسي سامية، وبالمعطي زكية، وبحضور مديرة المؤسسة السيدة بريك سارة. هذا الحضور عكس توجهاً مؤسساتياً واضحاً يقوم على الشراكة الفعلية بين الفاعلين الثقافيين والأسرة التربوية، بما يضمن للحدث بعده التربوي والوطني في آن واحد.

وقد برز دور المعلمين والمؤطرين في تأطير التلاميذ وتحفيزهم على المشاركة الفاعلة، حيث لم يكونوا مجرد متلقين، بل شركاء في صناعة المشهد الرمزي، بما يعزز انخراطهم في المعنى الوطني للمناسبة.

 

ابتدائية زوبيري الزوبير: المدرسة كفضاء للهوية الحية

من جهتها، احتضنت ابتدائية “زوبيري الزوبير” فعالية مماثلة عكست الوعي ذاته بأهمية إدماج الثقافة في المسار التربوي. تحت إدارة السيدة قدري صفية، تحوّل الفضاء المدرسي إلى ورشة مفتوحة لصناعة الوعي، حيث استُثمرت الفنون التعبيرية في ترسيخ الرموز الوطنية داخل المخيال الناشئ.

البرنامج حافظ على تنوعه الفني، جامعاً بين الإنشاد والمسرح والشعر، في مقاربة تعكس فهماً عميقاً لوظيفة المدرسة كحاضنة للهوية. كما أن نصب خيمة تقليدية داخل المؤسسة شكّل بعداً بصرياً ورمزياً يستحضر الموروث الشعبي، ويؤكد أن الهوية الوطنية ليست مفهوماً نظرياً، بل ممارسة يومية تُغرس في الوعي منذ الطفولة.

 

مقاربة مؤسساتية برؤية وطنية

الفعاليتان، وإن نُظمتا في مؤسستين منفصلتين، إلا أنهما جسّدتا رؤية موحدة قوامها الشراكة والتكامل بين قطاع الثقافة والمنظومة التربوية. فإحياء اليوم الوطني للشهيد لم يُختزل في استذكار الماضي، بل قُدم كمدخل لغرس روح المواطنة وتعزيز الشعور بالانتماء، في انسجام مع الأجواء الروحية للشهر الفضيل.

وتؤكد هذه التجربة أن دمج الثقافة في الفضاء المدرسي يشكل خياراً استراتيجياً لتحصين الذاكرة الجماعية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع. فالرهان الحقيقي يكمن في جعل الرموز الوطنية حاضرة في الوعي اليومي للأجيال الصاعدة، بوصفها مرجعاً أخلاقياً وتاريخياً يؤطر مسار البناء الوطني.

بهذا، تُقدّم المنيعة نموذجاً عملياً لمقاربة وطنية أوسع، مفادها أن الوفاء للشهداء يتجسد في بناء جيل واعٍ بقيمهم، وقادر على مواصلة المسيرة بثقة ومسؤولية.

الهوصاوي لحسن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى