
ارتدت وهران على غرار باقي الولايات الجزائرية ومعظم المناطق الأمازيغية بشمال افريقيا حلة اللباس التقليدي وتزينت معظم محلاتها شوارعها بطاولات بيع المكسرات والحلويات والفواكه والأكسسوارات،التي تحمل رموز الثقافة الأمازيغية، بينما احتضنت فضاءاتها الثقافية نشاطات معلنة بداية 2976 سنة أمازيغية جديدة، المعروفة بمناسبة “يناير”، وتعطي أملا بعام فلاحي ناجح وسنة جديدة مليئة بالأفراح والأمن والسلام.
حيث شهدت الساعات الأخيرة ليوم السبت حركة كثيفة للمواطنين وهم يتهافتون لشراء مستلزمات الاحتفال بهذه المناسبة المهمة بالنسبة للمجتمع الجزائري، فيما تفننت النسوة في تحضير الأطباق التقليدية يتقدمها “الشرشم، الرقاق، الرشتة، الكسكس بالدجاج….”….
سوق المدينة الجديدة وباقي الأسواق تتهيأ…
شهد الأسبوع الفارط مظهرا خاصا اكتست به كل الأسواق بولاية وهران، لاسيما سوق “المدينة الجديدة” الذي تحول إلى قبلة للتجار وحتى الشباب البطال الذي يقتنص المناسبات لبيع المنتجات الخاصة بها لتحقيق فائدة مالية تكفيه حاجته.
حيث استقبلت “المدينة الجديدة” المئات من تجار الجملة والتجزئة وحتى العائلات من مختلف ربوع الوطن، من أجل التسوق للتزود بالمستلزمات الخاصة بمناسبة “يناير”. في حين تحولت أزقة بعض الشوارع والفضاءات العمومية إلى لوحة طبيعية مزركشة بالألوان الزاهية يغلب عليها اللونين الأصفر والبرتقالي، تزينها المكسرات والحلويات والفواكه خاصة البرتقال التي قام البعض من التجار بخلطها ووضعها في أكياس شفافة تغري من يراها والبعض استغل تلك القفف التقليدية الصغيرة المصنوعة من الدوم والمزينة بالاكسسوارات الأمازيغية وملأها بالمستلزمات، وهو ما جعل العائلات تتسوق بسهولة خاصة مع توفر الملابس التقليدية خاصة الامازيغية الخاصة بالصغار بنفس الأماكن، بينما اختار البعض الآخر من المواطنين شراء كميات مختلفة حسب أذواقهم وحاجتهم من المستلزمات على أن يقومون بخلطها في بيوتهم.
يشار إلى أن الأسواق والفضاءات التجارية لم تتوقف عند عرض المكسرات والحلويات والفواكه بل تعدتها إلى توفير ما تحضره العائلة الوهرانية بالمناسبة كطبق طعام رئيسي ليلة 12 جانفي (ليلة رأس السنة الأمازيغية أو الناير)، على غرار الرقاق، الحبوب الجافة والتي تصل 7 أنواع، الحلويات التقليدية كالسفنج، المسمن……
المدارس الابتدائية تحتفي…..
شهدت معظم الأقسام التربوية بالمدارس الابتدائية احتفالات كبيرة يوم الأحد، صنعها التلاميذ الذين جلبوا من بيوتهم كل المستلزمات الخاصة بمناسبة يوم “يناير”، مرتدين الملابس التقليدية، تتقدمهم الفتيات مثل الفراشات بالألوان الزاهية المزينة لإكسسوارات الشعر واللباس في رمز للجمال والأمل والحلم.
وفي هذا الإطار، فقد خصص العديد من المعلمين مساحة زمنية للاحتفال بالمناسبة عبر لوحات فنية أبدع فيها الصغار بتمثيل مسرحيات تروي السنة الفلاحية عبر رواية المناسبة التي تتناقلها الجدات والعادات التي تمارس فيها لتكون بداية سنة بموسم فلاحي ناجح يحقق فيها الفلاح نتائج ممتازة بالنسبة لمزروعاته خاصة الحبوب والخضر والفواكه بعد سقوط أمطار كافية، إلى جانب ترديد أغان بالمناسبة، ثم يتم تجميع كل ما جاء به الأطفال من بيوتهم في قصعة كبيرة ويشاركون في خلط المحتوى، ليقوم المعلمون بتقسيمها بالتساوي بين التلاميذ، وكذلك بالنسبة للحلويات والمشروبات، كما تقوم بعض المعلمات بوضع الحنة كفال حب في أيدي الأطفال لمن يرغب في ذلك، وتؤخذ صور تذكارية لهم تبقى شاهدة على الحدث، في حين يقوم البعض بجلب مهرجين من أجل إضفاء البسمة والضحكة على وجوه التلاميذ.
الناير موعد اجتماع العائلات والجيران حول طبق “الشرشم”
تعرف مدينة وهران المبتسمة دوما والحاضنة للجميع دون اختلاف تميزا في إحياء المناسبات، التي تعتمد على التجمعات العائلية في أغلبها، حيث يتم اجتماع العائلات الصغيرة في البيت العائلي للأجداد (الدار الكبيرة) مثلما هو الحال بالنسبة لعائلة “قدور”، التي ينتقل فيها الأبناء رفقة أولادهم إلى منزل والدهم (الجد)، بداية من الغداء الذي يضم طبق “الشرشم” المكون أساسا من الحبوب الجافة أهمها القمح، الحمص، الفول، العدس…… وهو عبارة عن طريق بسيط لا يتطلب إمكانيات كبيرة بل تغلى تلك الحبوب ويضاف لها الملح فقط بعدما تكون قد وضعت في الماء الليلة السابقة، لتنطلق النسوة (الكنات) في تحضير العشاء الذي يضم طبقا تقليديا خالصا سواء الرقاق وهو الطبق التقليدي المعروف والأكثر طلبا في المناسبات بوهران، وهو عبارة عن أرواق عجين رقيقة جدا دائرية الشكل مثل الديول، تحضرها النساء في البيت، في تفضله عائلات معرضا للبخار (مفور) والبعض تضعه مباشرة بطبق التقديم، تقطع تلك الأوراق إلى قطع كبيرة، ليسقى بمرق الدجاج ويزين بالحمص والخضر خاصة اللفت وهناك من تضيف الجزر والقرعة. ليجتمع كل الأفراد حول طاولة العشاء، ثم يتم جلب المكسرات والحلويات والفواكه وتخلط كلها في غربال أو صحن كبير وتقسم خاصة على الأطفال، وينصرف الكبار لاستكمال السهرة بالشاي ويبقى الأطفال يلعبون ويلهون متفاخرين بما لديهم وبألبستهم التقليدية. بينما تقوم عائلات أخرى بالاجتماع بين الجيران على غرار عائلة “خمليشي” التي تفتح فيها “طاطا زكية” بابها لاستقبال جيرانها في جلسة خاصة تحضر فيها طاولة متميزة تشمل كل المكسرات والحلويات والفواكه الجافة وترافقها بالحلويات التقليدية والشاي و القهوة بعد جلسة “المسفوف” الذي تزينه المكسرات المطحونة والزبيب والعسل واللبن وكذا المشروبات وتستمر الجاية النسائية بالحديث في مختلف المواضيع خاصة تلك المتعلقة بالمناسبات وما تخللها من مقالب وحوادث بقيت راسخة. الاحتفالات لدى العائلات تستمر، فيتحول بيت ” والي دادا” إلى بهو تفوح منه رائحة “الشرشم” الذي تحضره “طاطا زوليخة” وهناك تعاد الحكايات والمواضيع التي مازالت بعض أحداثها تخلق الضحك والابتسامة. وفي مكان آخر من مدينة وهران المضيافة، تفتح العائلة الكبيرة لِ”رفيق بوريش” البيت لتستقبل فيه الفئات الهشة خاصة الذين يفتقدون لعائلات تأويهم، فتقوم بكل مراسم الاحتفال (أطباق تقليدية، حلويات، مكسرات…. وحتى هدايا للأطفال)، كما تقوم بتوزيع مساعدات غذائية من ضمنها مستلزمات الاحتفال بيناير على العائلات المحتاجة في إطار برنامجها الخيري الذي تقوم به في عالم التطوع على مدار السنة.
الفضاءات الثقافية تحتضن نشاطات الجامعيات المختلفة
تستمر الاحتفالات بمناسبة السنة الأمازيغية الجديدة في اليوم الموالي (12 جانفي)، الذي أصبح يوم عطلة مدفوعة الأجر، بنشاطات ثقافية مهمة بمختلف المؤسسات الثقافية.
حيث نشطت مختلف الجمعيات على رأسها جمعية نوميديا احتفالات متميزة بعرض الأطباق التقليدية الخاصة بالمناطق الأمازيغية، الى جانب جلسات نشطها مثقفون وأدباء لهم اطلاع على الثقافة الأمازيغية، تعرضوا خاصة إلى المناسبة وطرق الاحتفال بها بمختلف مناطق الوطن وجلسات شعري قدمت فيها قصائد بالمناسبة. فيما قامت جمعيات أخرى بالاحتفال رفقة أعضائها بالمناسبة على غرار جمعية “شباب الباهية” التي احتفلت رفقة أطفال التوحد في جو عائلي بهيج، تم خلاله إلباس الأطفال الملابس التقليدية وتوزيع الحلويات والمكسرات و الهدايا عليهم، فينا اختارت جمعيات أخرى تقاسم فرحة المناسبة مع المرضى بالمستشفيات والمؤسسات الصحية، بينما نظمت مراكز الإيواء التابعة لمديرية النشاط الاجتماعي احتفالات خاصة لنزلائها جعلتهم يغيرون الأجواء ويعيشون البهجة احتفالا بيناير.
وانتهت الاحتفالات بتمني سنة فلاحية ناجحة وفيرة الإنتاج وتحقيق المكاسب والأفراح على أمل اللقاء السنة القادمة.
أعدته: ميمي قلان



