
في مشهد يعكس تحولا متزايدا نحو الاعتماد على المعرفة العلمية لمواجهة الأزمات البيئية، احتضنت مدينة جدة ختام النسخة الثالثة من جائزة الابتكار العالمية في المياه، ضمن أعمال مؤتمر الابتكار في استدامة المياه في نسخته الرابعة لتتحول المناسبة إلى محطة دولية جمعت العقول البحثية القادرة على تحويل الأفكار إلى حلول عملية قادرة على التعامل مع ندرة المياه وتداعيات تغير المناخ، حيث برزت الجائزة كأحد أبرز الفعاليات التي تربط البحث العلمي بالتطبيق الواقعي وتمنح الابتكار بعدا إنسانيا وتنمويا واضحا.
جدة منصة عالمية لتحويل الأفكار إلى حلول
شهدت نسخة عام 2025 من جائزة الابتكار العالمية في المياه حضورا دوليا واسعا، توج بالإعلان عن 14 فائزاً نجحوا في تجاوز معايير تقييم صارمة وضعتها لجنة تحكيم دولية تضم 28 خبيرا من 12 دولة، ما منح الحدث بعدا علميا موثوقا يعكس مستوى المنافسة العالية بين المشاركين.
وقد بلغ إجمالي قيمة الجوائز المرصودة لمراحل المسابقة المختلفة عشرة ملايين دولار وهو رقم يعكس حجم الرهان على الابتكار بوصفه أداة عملية لمعالجة أزمات المياه، إذ تهدف الجائزة إلى دعم انتقال المشاريع البحثية من المختبرات إلى البيئات الحقيقية القابلة للتطبيق.
وحصل “هان تشينجيو” من الصين على الجائزة الكبرى للأثر تقديرا لمشروعه ذي التأثير المباشر في قطاع المياه بينما نال “جويهوايو” من الولايات المتحدة الجائزة الكبرى للاكتشاف، في إشارة واضحة إلى تنوع المسارات التي تحتفي بها الجائزة بين الحلول ذات الأثر الفوري وتلك التي توسع آفاق المعرفة العلمية.
كما شملت قائمة المكرمين 12 مبتكرا آخرين من دول متعددة، من بينها المملكة المتحدة،الولايات المتحدة،إسبانيا،هونج كونج،تركيا والمملكة العربية السعودية، وهو ما يعكس الطابع العالمي للجائزة وقدرتها على استقطاب تجارب متنوعة تتقاطع عند هدف واحد يتمثل في تعزيز الأمن المائي.
مسارات ابتكارية لمواجهة ندرة المياه
جاء اختيار الفائزين بعد تصفيات نهائية قوية ضمت 36 مرشحا من 22 دولة، يمثلون جامعات ومراكز أبحاث وشركات تقنية مرموقة، حيث عكست المشاريع المقدمة مستوى متقدما من التكامل بين البحث العلمي والحلول التطبيقية.
وغطت الابتكارات الفائزة 6 مسارات رئيسية شملت التقنيات المتقدمة لإنتاج المياه وتحسين جودتها وإعادة استخدامها، إضافة إلى حلول المعالجة الذكية وتقنيات الحد من الترسيب والنماذج الرقمية لتطوير العمليات، إلى جانب ابتكارات الاستدامة، ما يعكس شمولية الرؤية التي تتبناها الجائزة تجاه مستقبل قطاع المياه.
وأشادت لجنة التحكيم بالمستوى الاستثنائي للمشاركات، مؤكدة أن التقييم لم يقتصر على الجانب التقني، بل شمل أيضا الجدوى الاقتصادية والتأثير البيئي الإيجابي، إذ جرى التركيز على الحلول القادرة على الاستمرار والتوسع في مواجهة تحديات عالمية متسارعة.
ويمثل هذا التتويج رسالة واضحة بأن الابتكار لم يعد ترفا علميا، بل ضرورة استراتيجية لضمان أمن مائي مستدام، خصوصا في ظل تصاعد آثار تغير المناخ وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية.
الجائزة بوصفها استثمارا في الأمن المائي العالمي
تكتسب جائزة الابتكار العالمية في المياه أهميتها، من كونها تستجيب لتحديات إنسانية ملحة أبرزها افتقار أكثر من ملياري شخص حول العالم إلى المياه النظيفة، حيث تسهم في تحفيز تطوير تقنيات جديدة ومستدامة، لإنتاج المياه ومعالجتها وإعادة استخدامها.
كما تدعم الجائزة الابتكارات القادرة على تعزيز مرونة أنظمة المياه في مواجهة أنماط الطقس المتطرفة مثل الجفاف والفيضانات، إذ باتت هذه الظواهر تشكل تهديدا مباشرا للأمن المائي في مناطق واسعة من العالم.وتوفر الجائزة حافزا ماديا ومعنويا كبيرا لتشجيع الباحثين والشركات الناشئة على تحويل النماذج الأولية إلى حلول قابلة للتطبيق وذات جدوى اقتصادية، بما يسرع من دورة الابتكار ويقلص الفجوة بين البحث والتنفيذ.
وتسهم شبكة العلاقات التي تصنعها الجائزة بين مرشحين وخبراء من دول متعددة في بناء مجتمع عالمي لتبادل المعرفة والخبرات، حيث تتحول المنافسة إلى منصة تعاون طويلة الأمد قادرة على إحداث أثر يتجاوز حدود الحدث نفسه.
في المحصلة، تؤكد جائزة الابتكار العالمية في المياه أن الاستثمار في العقول المبتكرة هو الطريق الأكثر واقعية لمواجهة أزمات المياه المتفاقمة، وأن ربط البحث العلمي بالتحول التطبيقي يشكل حجر الأساس لبناء مستقبل مائي آمن للأجيال القادمة.
ياقوت زهرة القدس بن عبد الله



