
في لحظة يتقاطع فيها الزمن بين أمجاد الأمس وأسئلة اليوم، احتضن المركز الثقافي بحاسي الڨارة فعاليات إحياء الذكرى الـ65 لمظاهرات 11 ديسمبر 1960، في تظاهرة أشرفت عليها مكتبة المطالعة العمومية بالتنسيق مع مديرية الثقافة والفنون بولاية المنيعة. لم يكن الحدث مجرد احتفال تذكاري، بل ورشة حيّة لاستعادة الوعي الوطني، قادها فاعلون ثقافيون جسّدوا رؤية عصرية في كيفية تربية الأجيال على حب الوطن.
“بوحميدة الخنساء”… حين يتحوّل العمل الوثائقي إلى جسر نحو الوعي
قدّمت “بوحميدة الخنساء” (مكتبية وثائقية) دورا محوريا في التأطير البيداغوجي للأطفال، خلال ورشات الرسم والقراءة. وأكّدت في تصريحها أن هذا النشاط “لا يهدف فقط إلى تعريف الصغار بالتاريخ، بل إلى جعلهم يعيشونه بأسلوب يتناسب مع سنّهم، حتى يشعروا بأن الثورة ليست حدثاً بعيدا، بل جزء من هويتهم اليومية”. وأضافت أن التفاعل الكبير للأطفال مع الرموز الوطنية يؤكد ضرورة مواصلة هذه المبادرات التي تجعل من الكتاب والصورة أدوات فعالة لبناء الوعي الوطني.
“بن ساسي سامية”… ذاكرة تُروى بلغة الفن
من جهتها، أوضحت “بن ساسي سامية” (ملحق بالحفظ)، أن ورشة الرسم لم تكن مجرد نشاط فني، بل “طريقة لإعادة سرد تاريخ الجزائر بلغة يفهمها الأطفال ويعبّرون عنها بطريقتهم”.
وشددت على أن مسؤولية المكتبات العمومية اليوم لم تعد تقف عند حدود توفير الكتب، بل تمتد لتشمل تنشيط الفضاء الثقافي، وبناء علاقة ذكية بين الطفل والذاكرة الوطنية. وأشارت إلى أن النتائج التي ظهرت في لوحات الأطفال تعكس قدرة الفعل الثقافي المحلي على صناعة أثر حقيقي.
مدير الثقافة “العابد ياسين”… رؤية مؤسساتية لصيانة الذاكرة
وفي تصريح له بالمناسبة، أكد مدير الثقافة والفنون بولاية المنيعة “العابد ياسين”، أن هذه التظاهرة تأتي ضمن استراتيجية الولاية لتعزيز حضور الذاكرة الوطنية في الفضاء العام، وقال: “إن تعزيز الوعي بتاريخ الثورة التحريرية مسؤولية تشاركية، والمهم اليوم هو أسلوب تقديم التاريخ للجيل الجديد.
نريد أن نجعل الطفل جزءاً من هذا الإرث، وأن نقرّبه من بطولات أجداده من خلال الفنون والمعرفة، لا عبر الخطابات التقليدية فقط.” وأوضح أن المديرية تعمل على توسيع مثل هذه البرامج لتشمل مختلف البلديات والمؤسسات التربوية، باعتبار أن الاستثمار في الذاكرة هو استثمار في المستقبل.
معرض الصور والكتب… استعادة واعية لمشهد وطني مفصلي
التظاهرة تميّزت أيضا بمعرض صور تاريخية نادرة وثقت لمظاهرات ديسمبر ولشخصيات نضالي،ة صنعت تحوّلاً بارزاً في مسار الاعتراف الدولي بالقضية الجزائرية. كما عُرضت كتب تاريخية مختارة جمعت بين التوثيق والتحليل، ما سمح للحضور بفهم أعمق لظروف تلك المرحلة التي وحّدت صوت الجزائريين تحت راية واحدة.
الفن والذاكرة… لغة واحدة تعلم الأطفال معنى الوطن
الأناشيد الثورية التي رددها الأطفال منحت الفعالية بُعداً وجدانياً خاصاً، لتصبح الذاكرة الوطنية أكثر قربا وأعمق تأثيرا، فقد استطاع النشاط الفني أن يمزج بين البراءة والبطولة، وبين الماضي ورؤية المستقبل.
ذاكرة تُبنى بالإنصات والعمل المشترك
بفضل جهود الفاعلين الثقافيين وإرادة المؤسسات، تحوّلت ذكرى 11 ديسمبر في المنيعة إلى تجربة تعليمية وثقافية مكتملة، جعلت من الطفل شريكاً في فهم التاريخ لا مجرد متلقٍ له. وهكذا تُثبت المنيعة أن الذاكرة الوطنية ليست حدثاً يُحتفى به مرة في السنة، بل مسؤولية تُمارَس… وتُغرس… وتُجدد عبر الأجيال.
الهوصاوي لحسن



