
تحولت آفة المخدرات إلى هاجس يقض أمن ليس الأفراد العاديين فقط أو المجتمعات بل أصبحت تهدد أمن سيادة الدول وتضرب اقتصادها، وتشتت أبناءها بفعل تجاوز انتشارها الحدود الجغرافية للدول واتخاذ الكارتلات لأساليب أكثر تعقيدا لنقلها بين الدول، مما جعل التصدي لها يفرض التعاون الدولي ومشاركة جميع الأطراف من أجل وضع حد لهذه الآفة التي دمرت الفرد وقضت على الشخصية وحولت الكثير من الشباب الذين يعتبرون عماد تقدم الدول وتطورها إلى مجرمين باحثين عن النشوة واللذة المؤقتة ولو على حساب الأصول والمبادئ، ناهيك عن استغلال مداخيلها الوفيرة في تمويل مجالات أكثر خطرا كالإرهاب، غسيل الأموال، الانقلابات، الحروب الأهلية، الجماعات الإجرامية….
وفي هذا الإطار، أصبحت الأسلاك الأمنية لاسيما عناصر الجيش الوطني الشعبي تحجز الأطنان شهريا على الحدود، دون الحديث عن الكميات الضخمة التي تحجزها المصالح الأمنية سواء خلال عمليات التفتيش، الحواجز والمداهمات، بعدما تحولت هذه الأخيرة إلى عنصر تحد للجانب الأمني، الصحي والمجتمعي، مما جعل الدولة الجزائرية تخصص لها مساحة مهمة ضمن الملفات “الحساسة” وذات الأولوية في الدراسة والتدقيق لمحاربتها من جذورها، انطلاقا من رئيس الجمهورية.
حيث تناولت مختلف المؤسسات المعنية إحياء اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، على غرار المركز الدولي للمؤتمرات “عبد اللطيف رحال” بالجزائر العاصمة، الذي احتضن التظاهرة تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية بشعار “سنة من اطلاق الاستراتيجية الوطنية… معا نرفع التحدي”.
وفي هذا الشأن، أكد الوزير الأول “سيفي غريب”، أن الجزائر اختارت التعامل مع آفة المخدرات وفق رؤية إستراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد معتمدة على منهج تكاملي مترابط يجمع بين الوقاية والعلاج والردع، بناء على المقاربة التشاركية لكافة الفاعلين والمتدخلين.
وفي كلمة له خلال إشرافه بتكليف من رئيس الجمهورية، “عبد المجيد تبون”، على مراسم إحياء اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، المنظم تحت الرعاية السامية لرئيس الجمهورية، والموسوم هذه السنة بشعار “مشكلة المخدرات العالمية: تحديات متواصلة وقضايا مستجدة واستجابات مبكرة”، أو ضح “سيفي غريب” أنه بعد مرور عام على دخول الإستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية (2025-2029) حيز التنفيذ، أكد أن هذه الإستراتيجية انطلقت من تشخيص دقيق وشمولي للظاهرة، بغاية اجتثاثها من جذورها وتجفيف منابعها ومسبباتها، حيث اعتمدت في ذلك على منهج تكاملي مترابط، يجمع بين الوقاية والعلاج والردع، في إطار مقاربة موحدة تستهدف التصدي للظاهرة بجاهزية دائمة وفعالية مستمرة.
وأضاف “سيفي”، أن مبتغى الاستراتيجية تفرض ضرورة انخراط جماعي وتكامل مؤسساتي ومجتمعي واسع في تجسيدها، مع مراعاة عدة أبعاد أساسية، لاسيما إرساء البعد الوقائي من خلال تكريس التحسيس والتوعية، تفعيل الآليات العلاجية وتعزيز برامج إعادة إدماج المدمنين في المجتمع، اعتماد سياسة جزائية شاملة ورادعة في إطار مكافحة الظاهرة وتجفيف منابعها وتفكيك شبكاتها وتعزيز التعاون الدولي وتكثيف التنسيق الإقليمي في مجال مواجهة الجريمة العابرة للحدود.
مكافحة المخدرات تقوم على مبدأ التعبئة الوطنية الشاملة
وفي ذات السياق، لفت الوزير الأول إلى أن الدولة تدرك أن هذه المعركة لا يمكن أن تحسم بالجهود المؤسساتية وحدها، بل تقوم على مبدأ التعبئة الوطنية الشاملة، التي تقتضي تجنيد جميع الفواعل والقوى الحية في المجتمع، دون استثناء، لبناء جبهة وطنية موحدة قادرة على حماية الإنسان وصون الوطن من أخطر السموم التي تستهدف حاضره ومستقبله، لأنها معركة متعددة الجبهات، تتطلب تنسيقا محكما بين الدولة ومختلف مكونات المجتمع، إذ لا يكفي البعد الأمني وحده، بل لا بد من ترسيخ ثقافة الوقاية وتوفير بدائل اجتماعية وصحية وتنموية للشباب، مع تجفيف منابع الترويج والاستهلاك.
كما ذكّر بتوجيهات رئيس الجمهورية، الرامية إلى تعزيز الجهد الوطني في مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، والارتقاء بآليات التصدي لهذه الآفة الخطيرة إلى أعلى مستويات النجاعة والفعالية، لاسيما المراجعة التشريعية المعمقة والدقيقة، التي استهدفت تحديث المنظومة القانونية وتكييفها مع تطور الأساليب الإجرامية وتحولات هذه الظاهرة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية ويستجيب للالتزامات والمقتضيات الإقليمية والدولية، التي جعلت الدولة الجزائرية تعتمد عقيدة مبنية على أن المخدرات ليست مجرد جريمة عابرة، بل تهديد استراتيجي يستهدف أمن الدولة وتماسك المجتمع ومقدرات الأمة، ومن ثم حرصت كل الحرص على إرساء منظومة تشريعية صلبة ومتكاملة، قادرة على مواجهة هذه الآفة المتحولة ومجابهة شبكاتها الإجرامية بكل حزم واقتدار.
التزام صارم للجزائر بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة
الوزير الأول، أكد أن الجزائر كانت وستظل حاضرة بامتياز في مختلف المحافل الأممية والإقليمية المخصصة لهذا الموضوع، تساهم بفعلية في تبادل الخبرات وتعميق التشاور وتعزيز آليات التعاون الدولي وتسهم في صياغة المبادرات والآليات الرامية إلى مواجهة ظاهرة المخدرات والمؤثرات العقلية.
مردفا أن الجزائر حريصة على الالتزام الصارم بما تم إقراره من مواثيق واتفاقيات دولية متعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع بالمخدرات وتعمل على تجسيدها داخل التشريع الوطني بما يضمن مواءمة القانون الداخلي مع الالتزامات الدولية. في الوقت الذي أصبحت تمتلك إطارا تشريعيا متقدما وحصينا يجسد إرادة الدولة في خوض معركة ضد تجار السموم وشبكات الإجرام المنظم، في إطار توجيهات السيد رئيس الجمهورية، وبناء على جملة من الموجبات الإستراتيجية.
موضحا أن، من أهم هذه الموجبات اعتماد مقاربة وطنية شاملة ومتكاملة تجمع بين أبعاد الوقاية والعلاج وتخفيف الضرر والردع القانوني، التأكيد على أن مكافحة المخدرات تمثل قضية أمن قومي بامتياز، تعزيز آليات العلاج الإلزامي، استحداث تجريمات جديدة ومواءمة النصوص مع التطور المتسارع لأساليب الإجرام، مع تشديد العقوبات في حالة الانخراط في شبكات إجرامية منظمة، تغليظ العقوبات المتعلقة بالمخدرات الصلبة، تعزيز الآليات الإجرائية لتتبع جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية وتشديد المتابعات الجزائية في حالة ارتكاب جرائم تحت تأثير المخدرات و/أو المؤثرات العقلية.
يذكر أن، الوزير الأول، عرج على الدراسات التي أثبتت أن هناك ترابطا عضويا وتداخلا معقدا بين تجارة المخدرات ومختلف أشكال الجريمة، لا سيما الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، مبرزا ضرورة تكثيف التنسيق وتعزيز التعاون على المستوى الوطني بين مختلف الهيئات والأجهزة، ولاسيما الأمنية والقضائية والإدارية، إلى جانب تعزيز الشراكة على الصعيد الدولي مع الدول والمنظمات المختصة في مجال مكافحة الجريمة المنظمة. كما تجدر الإشارة إلى أنه تم تسليم التقرير المرحلي لتنفيذ الإستراتيجية الوطنية إلى وزير العدل حافظ الأختام، “لطفي بوجمعة”، متضمنا حصيلة الإنجازات المحققة خلال السنة الأولى من تنفيذها والتوصيات الرامية إلى تعزيز فعالية التدخلات الوطنية في مجال الوقاية من المخدرات ومكافحتها.
واختتمت الفعاليات بتكريم المصالح الأمنية التي أنجزت أفضل العمليات النوعية في مجال مكافحة المخدرات، تثمينا لجهودها المتميزة في حماية المجتمع وإحباط شبكات الاتجار غير المشروع، وتعزيز أمن واستقرار البلاد.
ميمي قلان



