الحدث

 بين “وقار الحبر” وسرعة “النقرة”

الصحافة المكتوبة في وهران...

لطالما اعتُبرت ولاية وهران “الرئة” التي تتنفس بها الصحافة في الغرب الجزائري، فمنذ عقود كانت شوارع “واجهة البحر”، “شارع الأمير عبد القادر” و”شارع محمد خميستي”، شاهدة على ولادة عناوين صنعت الرأي العام الوطني. لكن اليوم، يجد “صناع الخبر” في الباهية أنفسهم أمام حتمية تاريخية: كيف يمكن للجريدة الورقية، برائحة حبرها ووقار صفحاتها، أن تصمد أمام سيل “النقرات” المتسارعة وخوارزميات التواصل الاجتماعي؟

لقد احتضنت مدينة وهران كفاءات صحفية رائدة، أسهمت في تنوير الراي العام، وأدّت دوراً محورياً في توثيق أحداث المنطقة وتحولاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومع مطلع التسعينيات، وانفتاح الفضاء الإعلامي على التعددية، شهدت وهران ازدهارا ملحوظا في عدد المطبوعات الصحفية والمنابر الإعلامية، وغدت فضاءً خصبا للأقلام الشابة والأصوات الجديدة التي آثرت التعبير عن هموم المواطن والمدينة.

 

“الرقمية”.. السرعة التي لا ترحم

اليوم، تغير المشهد جذريا، زحفت “الصحافة الإلكترونية” لتفرض منطق “الآنية”، حيث لم يعد القارئ في أي زاوية أو ركح من ولاية وهران، أو غيرها من الولايات، ينتظر شروق الشمس ليعرف تفاصيل زيارة والي الولاية أو نتائج تظاهرة ثقافية؛ فالخبر بات يصل عبر إشعارات الهواتف الذكية، قبل أن تجف سوائل المطابع. هذا التحول الرقمي، رغم إيجابياته في الديمقراطية الإعلامية، وضع الصحافة الورقية في وهران أمام “أزمة وجودية” خانقة.

 

مستقبل الصحافة بعيون ‘أهل المهنة’ في الباهية

يرى الأستاذ الصحفي” أحمد أوكيلي “من جريدة “الشروق”، أن الصحافة الورقية تواجه تراجعًا ملحوظًا في ظل انتشار التكنولوجيا والرقمنة، حيث انخفضت مقروئيتها عالميًا، ما دفع البعض إلى التنبؤ بقرب “وفاتها”. ورغم الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإعلامي، وما يرافقه من تأثيرات على مصداقية العمل الصحفي، يؤكد “أوكيلي” أن هذا التحول طال أيضًا مجالات أخرى كالتعليم، حيث أدى الإفراط في استخدام الوسائل الرقمية إلى تراجع العلاقة مع الكتاب.

وفي السياق ذاته، لفت إلى أن الصحافة الإلكترونية، رغم سرعتها، قد تفتقر أحيانًا إلى الدقة والمصداقية، على عكس الصحافة الورقية التي تلتزم بأخلاقيات المهنة. وخَلُص “أوكيلي” إلى أن الصحافة الورقية قادرة على الاستمرار، خاصة في الجزائر، إذا حافظت على مهنيتها، وركزت على تقديم محتوى تحليلي يخدم القضايا الوطنية ويساهم في توعية الرأي العام.

اما السيدة “بوطالب نادية” من جريدة “الوطني” اليوم، تغير المشهد بشكل ملحوظ مع ظهور الصحافة المستقلة في التسعينيات، ثم مع الثورة الرقمية التي جعلت الإعلام أكثر تنوعا وسرعة في نقل الخبر. الصحافة الجزائرية تظل فضاءً للنقاش العام، ومصدرا أساسيا للمعلومة. باختصار، الصحافة الجزائرية انتقلت من كونها أداة مقاومة وصوتا رسميا للدولة، إلى فضاء متعدد الأصوات يسعى للتوازن بين المهنية والحرية، في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتغير فيه أدوات الاتصال.

 

وكذلك اضافت الصحفية “أنيسة سحنون” من جريدة ” L’Echo d’Oran”

لقد كانت الجريدة تحتل مكانه هامة في حياه الأفراد، حيث يبدأ الكثيرين يومهم بالاطلاع على الأخبار وتحليل الأحداث، حيث فرض التحول الرقمي على الصحفيين اكتساب مهارات جديده، وظهرت نماذج جديده لتمويل الصحافة الرقمية مثل الاشتراكات المدفوعة والمحتوى الحصري، الشيء الذي لا يتوفر إلا الآن في الجزائر، مما يجعل الصحيفة الرقمية متوفرة مجانا لجميع القراء، مما أثر سلبا على مبيعات الجرائد الورقية. يمكن القول إن التحولات الرقمية لم تقض على الجريدة، بل دفعتها إلى التطور والتكيف مع واقع جديد.

اما السيدة “بختة باشا”، صحفية بجريدة “كاب ديزاد”،فاكدت ان الصحافة عرفت تحولات عميقة بين الأمس واليوم، سواء من حيث أدوات العمل أو سرعة نقل الخبر، أو طبيعة التفاعل مع الجمهور، حيث فرضت التكنولوجيا الرقمية واقعا جديدا غيّر أساليب الممارسة الإعلامية وفتح آفاقا واسعة أمام الإعلام الحديث.

ورغم هذه التحولات المتسارعة، تبقى الصحافة الورقية حاضرة بما تمثله من مصداقية ورصانة وعمق في المعالجة، إن التحدي اليوم لا يكمن في صراع بين الورقي والرقمي، بل في قدرة وسائل الإعلام على التكيف مع المتغيرات، مع الحفاظ على أخلاقيات المهنة ورسالتها النبيلة.

 

وهران “العالمية”.. هل تحتاج لصحافة “تقليدية”؟

بينما يسعى المسؤولون المحليون، وعلى رأسهم والي الولاية، لرفع وهران إلى مصاف المدن العالمية سياحيا وثقافيا، يبرز السؤال: أي إعلام نحتاج لمواكبة هذه النهضة؟ إن وهران التي نجحت في تنظيم كبرى المحافل الدولية تحتاج إلى إعلام “هجين”؛ إعلام يجمع بين سرعة المواقع الإلكترونية في نقل الحدث، وعمق التحقيق الصحفي الذي لا توفره إلا الصحافة المكتوبة الرصينة.

إن معركة البقاء للصحافة الورقية في وهران لن تُحسم بالاختفاء، بل بالتحول. البقاء سيكون للعناوين التي تتوقف عن مطاردة “الخبر العاجل” (الذي خسر معركته أمام الفيسبوك)، وتتفرغ لتقديم “ما وراء الخبر”: التحقيقات الميدانية، القصص الإنسانية من عمق الأحياء، والتحليلات الرصينة التي تخدم التنمية المحلية.

ستبقى وهران قطباً إعلامياً، لكن الحبر هذه المرة، قد لا يكون على الورق فقط، بل في عقول صحفيين، يدركون أن “المصداقية” هي العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها، سواء كانت في نسخة ورقية أو خلف شاشة رقمية.

ج.ايمان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى