الجهوي‎

ولاية تيارت…تعزيز السلامة داخل المؤسسات الصحية

لا تزال ثقافة السلامة والوقاية من الأخطار المهنية غائبة أو ضعيفة، داخل العديد من المؤسسات الصحية، بولاية تيارت وعموم ولايات الوطن. رغم حساسية الفضاء الصحي وما يتطلبه من جاهزية دائمة لمواجهة مختلف المخاطر. ويُسجَّل في هذا الإطار نقص واضح في التكوين لدى أعوان الأمن والوقاية، وكذا سائقي سيارات الإسعاف، الذين يجهلون في كثير من الأحيان أساسيات السلامة المهنية والتدخل السريع أثناء الطوارئ.

ويبرز هذا القصور خاصة في غياب أيام دراسية وتكوينية متخصصة تُعرّف هؤلاء الأعوان بمهامهم الحقيقية، سواء في كيفية إسعاف المرضى. أو التعامل مع الحرائق، أو حالات الاختناق بغاز أحادي أكسيد الكربون، أو غيرها من الأخطار المحتملة داخل المستشفيات والعيادات الصحية.

إن هذا الوضع يستوجب تحركًا عاجلًا من الجهات الوصية، عبر تنظيم برامج تكوينية دورية بالتنسيق مع مصالح الحماية المدنية، تهدف إلى رفع مستوى الوعي والجاهزية، وتمكين العاملين من اكتساب المهارات الأساسية في الإسعافات الأولية، الإخلاء الآمن، واستعمال وسائل الإطفاء والتدخل في حالات الطوارئ.

فالاستثمار في التكوين الوقائي لا يحمي فقط المرضى والزوار، بل يضمن أيضًا سلامة المستخدمين، ويساهم في تحسين نوعية الخدمة الصحية، ويقلل من الخسائر البشرية والمادية. وعليه، تبقى السلامة داخل المؤسسات الصحية مسؤولية جماعية تتطلب تخطيطًا، تنسيقًا، وإرادة حقيقية لترسيخ ثقافة الوقاية بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الحوادث.

مؤسسات صحية كبرى… ومسؤولية مضاعفة في مجال السلامة

إن المستشفيات الكبرى، وعلى رأسها المركز الجهوي لمكافحة السرطان الذي استفادت منه الولاية، تُعد واجهة حقيقية للمنظومة الصحية ومرآة تعكس مستوى الخدمات المقدّمة للمواطن. وهو ما يفرض ضرورة الارتقاء بآليات التسيير، خاصة في جانب السلامة والوقاية من الأخطار المهنية، بما يتماشى مع المعايير الصحية العصرية.

فمثل هذه المؤسسات الحساسة لا يمكن أن تُدار بعقلية تقليدية، بل تستوجب توظيف موارد بشرية ذات مؤهلات عالية، أو على الأقل إخضاع العاملين فيها لتكوين متخصص ومستمر في مجال تعزيز السلامة داخل الوسط الصحي. ويشمل ذلك أعوان الأمن والوقاية، سائقي سيارات الإسعاف والعمال التقنيين، حتى يكونوا قادرين على التعامل السليم مع الحالات الاستعجالية، المخاطر الصناعية، الحرائق، التسربات الغازية، وحالات الإخلاء.

إن غياب التأهيل في هذا المجال، قد يحوّل هذه المنشآت من فضاءات للعلاج إلى بؤر خطر. في حين أن الاستثمار في التكوين والتأطير يجعل منها مؤسسات صحية عصرية بامتياز. تضمن سلامة المرضى والطاقم الطبي والزوار على حد سواء، وتعكس صورة إيجابية عن القطاع الصحي على المستوى الجهوي والوطني.

وعليه، يبقى تعزيز ثقافة السلامة داخل هذه الهياكل الكبرى خيارًا استراتيجيًا لا يقبل التأجيل، بل ركيزة أساسية لنجاح أي مشروع صحي حديث. ومن جهة أخرى، وإضافة إلى أهمية تعزيز السلامة من الحرائق وحسن التعامل مع المرضى، يبرز انشغال بالغ الأهمية لا يقل خطورة، يتمثل في كيفية التعامل مع النفايات الاستشفائية، التي أصبحت تشكل خطرًا حقيقيًا ومحدقًا داخل العديد من المؤسسات الصحية.

فالتعامل غير السليم مع هذا النوع من النفايات، سواء الطبية أو البيولوجية أو الحادة، وتحويلها أو التخلص منها بطرق عشوائية، يُهدد بشكل مباشر صحة المرضى، وسلامة العاملين، بل وحتى البيئة المحيطة بالمؤسسات الصحية. وهو ما يعكس نقصًا واضحًا في التكوين والتحسيس لدى بعض المستخدمين حول طرق الفرز، التخزين المؤقت، النقل، والمعالجة النهائية لهذه النفايات وفق المعايير المعتمدة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى برمجة أيام تكوينية وتحسيسية متخصصة، تُعنى بكيفية التعامل السليم مع النفايات الاستشفائية، وأساليب التخلص الآمن منها، بدل الممارسات العشوائية التي قد تؤدي إلى انتشار العدوى، الحوادث المهنية، والتلوث البيئي.

إن اعتماد برامج تكوين منتظمة، موجهة لكل الفاعلين داخل المؤسسات الصحية، من عمال نظافة وأعوان أمن إلى الطواقم شبه الطبية، من شأنه أن يُسهم في تقليص المخاطر، وترسيخ ثقافة الوقاية والمسؤولية، وضمان بيئة صحية آمنة تحفظ كرامة المريض وتحمي صحة العامل على حد سواء.

ضرورة المتابعة الدائمة لمشاكل الانقطاعات الكهربائية

وإضافة إلى تعزيز إجراءات السلامة داخل المستشفيات، تبرز ضرورة المتابعة اللصيقة والدائمة لمشاكل الانقطاعات الكهربائية، من خلال التأكد المستمر من جاهزية المولدات الكهربائية، وصيانتها الدورية، ومراقبة أدائها في كل الأوقات، نظرًا لما تمثله الكهرباء من عنصر حيوي لا غنى عنه لضمان استمرارية الخدمات الصحية، خاصة داخل غرف الإنعاش، العمليات، ومصالح الاستعجالات.

كما لا يقل أهمية عن ذلك، مراقبة مختلف التسربات المحتملة، سواء تعلق الأمر بشبكات الأكسجين الطبي، أو خزانات المياه، أو أجهزة التدفئة، لاسيما في ظل ما تعرفه الولاية من ظروف مناخية قاسية وطقس شديد البرودة خلال فصل الشتاء. فأي خلل تقني أو تسرب غير مكتشف، قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة تمس سلامة المرضى والعاملين، وتُعطل السير الحسن للمؤسسات الصحية.

إن اعتماد نظام صيانة وقائية صارم، قائم على المراقبة المستمرة، التفقد الدوري، والتدخل الاستباقي، يشكل ركيزة أساسية لضمان بيئة صحية آمنة. ويُجنب المؤسسات الصحية الأزمات المفاجئة، ويعزز جاهزيتها لمواجهة الطوارئ في مختلف الظروف. ورغم الأغلفة المالية الهامة التي تُرصد للمستشفيات من أجل اقتناء أجهزة ومعدات طبية حديثة، إلا أن غياب ثقافة الصيانة يبقى العائق الأكبر الذي يُفرغ هذه الاستثمارات من محتواها الحقيقي. فالكثير من التجهيزات، رغم حداثتها، تتعرض للأعطاب المتكررة أو التوقف الكلي بسبب سوء الاستعمال أو غياب الصيانة الدورية.

ويعود هذا الخلل أساسًا، إلى عدم إعداد خطط تكوينية واضحة، وبرمجة أيام دراسية متخصصة في مجال الصيانة الوقائية والتقنية، يستفيد منها عمال قطاع الصحة، لاسيما الأعوان المكلفون بالصيانة وتعزيز السلامة. فالتعامل مع الأجهزة الطبية لا يقتصر على تشغيلها فقط، بل يتطلب معرفة دقيقة بآليات المراقبة، الصيانة الدورية، وكيفية تفادي الأعطاب التي قد تشكل خطرًا على سلامة المرضى والمستخدمين.

إن إهمال هذا الجانب، لا يؤدي فقط إلى خسائر مادية معتبرة، بل قد يهدد استمرارية الخدمة الصحية، ويُعرض التجهيزات الطبية ولواحقها لمخاطر جسيمة، خاصة داخل المصالح الحساسة. وعليه، فإن ترسيخ ثقافة الصيانة، عبر التكوين المستمر والتنسيق مع المختصين، يُعد ضرورة حتمية لضمان الاستغلال الأمثل للتجهيزات، وتعزيز السلامة داخل المؤسسات الصحية، وتحقيق النجاعة المرجوة من الاستثمارات العمومية في القطاع الصحي.

ج.غزالي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى